الفصل الثاني في ذكر تلميذه سعيد الراعي رحمه اللّه « 1 »
قبره على باب بسطام ، وكان صاحب الكرامة والفراسة ، ووصل إلى درجة الفناء ، ومنزله البقاء تاب على يدي أبي يزيد قدس اللّه روحه ، وكان سبب توبته ورجوعه إلى خدمة الشيخ أبي يزيد ، أنه كان راعيا وعشق امرأة من قومه فقصدها ليلة من الليالي [ ق 40 / أ ] وأراد أن يظفر بها من غير أن يراه أحد فبقي يرقبها فلم يظفر بها بحيلته حتى حان وقت السحر ، فلما أيس عن الظفر بها وعزم على الانصراف رأى الثلج قد أتى عليه ولم يكن له خبر به من اشتعاله بحاله ، فلام عند ذلك نفسه ورام باللّه أنسه وتفكر في دناءة حاله ، وسوء فعاله وقبح خصاله ، فندم على ما غبر من أيامه واستغفر من ذنوبه وآثامه ، وقصد أبا يزيد فلما بلغ مسجده رآه مغلقا قد تفرق الناس عنه فوضع خده على عتبة المسجد وغلبه النوم فبقي على حالته حتى خرج أبو يزيد من خلوته فوجده نائما على تلك الحالة فنبهه ، وعلم أنه قد عمل فيه فكره ونفعه ذكره .
وذلك أن أبا يزيد جلس متفكرا قبل مجيء سعيد إليه من كثرة غفلة الناس وغلبة الغرة والوسواس فخطر بباله أن لو دخل في صحبته من كل قوم وحرفة واحد يكون سببا لخلاص الباقين منهم ، وجرى على خاطره أن الرعاة أكثر غفلة وأظهر غرة من أجناس الناس فلو دخل واحد وصحبه ، لحصول ذلك الرجاء ، واستجابة الدعاء .
فثبت لسعيد السعد وسعد ، وثبت على الصلاح والفلاح وصعد حتى بلغ مرتبة الرجال ومنقبة الأبطال « 2 » .
وحكي أن سعيد المنجوراني طالب يوما من الأيام أبا يزيد بإظهار كرامة منه عليه ، فأشار أبو يزيد إليه بأن يمضي إلى سعيد الراعي ، فلما قصده لم يجده على
هامش
( 1 ) انظر : النور ، الفهرس .
( 2 ) في النور ( ص 14 ) نحوه .