يا أبا يزيد سبحان اللّه تقول لي مثل ذلك ، ويحسن أن أفعل هذا ؟ فقال أبو يزيد :
قولك : سبحان اللّه شرك .
قال : وكيف ؟ فقال أبو يزيد : لأنك عظمت نفسك فسبحتها « 1 » .
فقال : يا أبا يزيد هذا لست أقدر عليه ولا أفعله ، ولكن دلني على غير هذا أفعله ، قال له أبو يزيد : أبدا ، فهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ، ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك ، فقال : لا أطيق هذا .
قال قلت لك : إنك لا تقبل .
وكان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية ، فقصد أبا يزيد ، وقال له : قد حكي لي عنك عجائب ، فقال له أبو يزيد : وما لم تسمع من عجائبي أكثر .
قال : علمك هذا عمن ومن أين ؟ فقال أبو يزيد : علمي من عطاء اللّه عز وجلّ ، ومن حيث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« ومن عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم « 2 » » .
ومن حيث قال : العلم علمان : [ ق 12 / ب ] علم ظاهر وهو حجة اللّه على خلقه وعلم باطن وهو العلم النافع فعلمك يا شيخ نقل من لسان للتعليم لا للعمل ، وعلمي من اللّه إلهاما من عنده ، فقال له الشيخ :
علمي بالتأكيد عن الثقات أكابرا عن أكابر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الرب عز وجلّ ، فقال له أبو يزيد :
يا شيخ كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم علم عن اللّه لا يطلع عليه جبريل ، ولا ميكائيل .
قال : نعم ! ولكن أريد أن يتضح لي علمك الذي تقول هو من عند اللّه ؟ .
قال : نعم أبينه لك بقدر ما يستقر في قلبك معرفته .
ثم قال : يا شيخ علمت أن اللّه عز وجلّ كلم موسى عليه السلام تكليما ، وكلّم محمد صلى اللّه عليه وسلم ورآه كفاحا ، وكلم الأنبياء عليهم السلام وحيا .
هامش
( 1 ) وهذا من دقيق نظر سيدي أبي يزيد ومعرفته التامة بأغوار النفوس ، فإن الرجل لم يقل سبحان اللّه إلا من حيث تعظيم نفسه عن الاتضاح ، ورفض التربية التي تزيل عن نفسه استعظام قدرها .
( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 163 ) ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 287 ، 347 ) .