داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
[ النمل :
15 ] ، وقال تعالى :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ . . .
[ الزمر : 73 ] الآيات ، وأيّ نعمة أعظم من دخول الجنة ؟
تمكّن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال « 1 » .
القلب محل الإيمان والمعرفة واليقين ، وهذه هي الأدوية لأمراضه التي أوجبها وجود الهوى والشهوة ؛ فإذا تمكّن الداء من القلب لم يبق للدواء محل ، فلذلك أعضل أمره ، تعذّر برؤه .
لا يخرج الشهوة من القلب إلّا خوف مزعج ، أو شوق مقلق .
الشهوة المتمكنة من القلب لا يخرجها إلّا وارد قوي قاهر غلّاب يرد عليه ، وذلك :
إمّا خوف مزعج ، أو شوق مقلق ، وما عدا هذين الأمرين لا استقلال له بذلك .
كما لا يحبّ العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك ، العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه .
العمل المشترك هو المشوب بالرياء والتصنّع ، والقلب المشترك هو الذي فيه محبة غير اللّه تعالى والسكون إليه والاعتماد عليه ؛ فالعمل المشترك معتل بنظر صاحبه إلى الناس ، والقلب المشترك معتل بنظر صاحبه إلى نفسه ، فالعمل المشترك لا يحبّه ، ولا يقبله ، ولا يثيب عليه ؛ لفقد الإخلاص منه ، والقلب المشترك لا يحبّه ، ولا يقبل عليه ولا يرضى عنه ؛ لعدم وجود الصدق فيه ، فمن صحّح أعماله بالإخلاص وأحواله بالصدق كان محبوبا للّه تعالى ، مثابا ، مرضيا عنه ؛ وإلّا فلا . وقال رضي اللّه عنه :
أنوار أذن لها في الوصول ، وأنوار أذن لها في الدخول .
الأنوار الواردة على القلوب من خزائن الغيوب تنقسم إلى قسمين :
أنوار أذن لها في الوصول إلى ظاهر القلب فقط .
وأنوار أذن لها في الدخول إلى صميم القلب وسويدائه .
فالأنوار الواصلة إلى ظاهر القلب يشاهد العبد معها نفسه وربّه ، ودنياه وآخرته ، فيكون تارة مع نفسه وتارة مع ربّه ، وطورا يسعى في العمل لآخرته ، وطورا يعمل في أمور دنياه .
هامش
( 1 ) العضال : الشديد المعجز ، يقال : داء عضال أي شديد أعيا الأطباء .