ما فات من عمرك لا عوض له ، وما حصل لك منه لا قيمة له .
عمر العبد ميدان لأعماله الصالحة المقرّبة له من اللّه تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الدار الآخرة .
وهذه هي السعادة التي لها يكدح العبد ويسعى من أجلها ، وليس له منها إلّا ما سعى ، كما قال تعالى
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] فكلّ جزء يفوته من العمر خاليا من عمل صالح يفوته من السعادة بقدره ، ولا عوض له منه .
قال الجنيد ، رضي اللّه عنه : « الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعزّ من الوقت » وكلّ جزء يحصل له من العمر غير خال من ذلك يتوصل به إلى ملك كبير لا يفنى ، ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك ؛ لأنه في غاية الشرف والنفاسة ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح رضي اللّه عنهم لأنفاسهم ولحظاتهم ، وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ، ولم يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلّا بالجدّ والتشمير .
وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك فيها ما فات ويحيى ما أمات » .
وقد نظم بعض الشعراء في المعنى ، رحمه اللّه وأرضاه ، فقال :
بقية العمر عندي مالها ثمن * وإنّ غدا غير محسوب من الزمن
يستدرك المرء فيها كلّ فائته * من الزمن ويمحو السوء بالحسن
وقال رجل لعامر بن عبد اللّه بن قيس « 1 » رضي اللّه عنه ، وهو يريد « الجمعة » : « قف حتى أكلمك » فقال له : لولا أنّي أبادر لوقفت لك . قال له : وما تبادر ؟ قال : أبادر خروج روحي » .
وقال الحسن البصري رضي اللّه عنه : « أدركت أقواما كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم » . يقول : كما لا يخرج أحدكم دينارا ولا درهما إلا فيما يعود عليه نفعه ، فكذلك لا يحبّون أن تخرج ساعة من أعمارهم إلّا فيما يعود عليهم نفعه .
وقال السرى السقطي رضي اللّه عنه : « خرجت من « بغداد » أريد
هامش
( 1 ) عامر بن عبد اللّه ، المعروف بابن عبد قيس العنبري ( توفي نحو 55 ه - نحو 675 م ) تابعي من بني العنبر ، وهو أول من عرف بالنسك من عباد التابعين بالبصرة ، هاجر إليها وتلقن القرآن من أبي موسى الأشعري . ( الأعلام 3 / 252 ، وحلية الأولياء 2 / 87 ) .