ليعرّفك قدر ما منّ عليك من أنوار التجليّ والحضور في نهاية القربة والوصلة فجميع ذلك نعم سابغة عليك من غير علم منك بذلك .
من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها .
أكثر الناس لا يعرفون قدر النعم إلّا إذا فقدوها ، وذلك لأجل غلبة الغفلة عليهم حين وجودها عندهم .
قال سريّ السقطيّ ، رضي اللّه عنه : « من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم » .
وقال الفضيل ، رضي اللّه عنه : « عليكم بمداومة الشكر على النعم ؛ فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم » .
وقال بعض البلغاء : « إذا كانت النعمة وسيمة ، فاجعل الشكر لها تميمة » .
وقال آخر : « شكر النعمة عصمة من حول النقمة » . وفي معنى هذا قيل : « إنما يعرف قدر الماء من بلي بالعطش في البادية ، لا من كان على شاطىء الأنهار الجارية » .
وقيل أيضا : « الولد العاقّ المصرّ على تأبّيه إنما يعرف قدر الآباء يوم وفاة أبيه » . وقيل :
« نعم اللّه مجهولة ، وتعرف إذا فقدت » .
ومن دعاء بعض الصالحين : « اللهم عرّفنا نعمتك بدوامها ، ولا تعرّفها لنا بزوالها » .
قلت : ولأجل غلبة الجهل بالنعم إلّا عند الفقد وتضييع الشكر عليها من العبد أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالنظر إلى من هو أسفل منّا ، لئلا نذدري نعمة اللّه علينا ، والسعيد من وعظ بغيره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة ، رضي اللّه عنه : « انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم » « 1 » .
وروى أيضا عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه » « 2 » .
قال الشيخ أبو حامد رضي اللّه عنه : « . . كان بعض الصوفية وظف على نفسه كلّ يوم أن يحضر دار المرضى فيشاهدهم ويشاهد عللهم ، ومحنهم ، ويحضر حبس السلطان ، ويشاهد أرباب الجنايات ، ومحنهم ، في التعرض لإقامة العقوبات ، ويحضر المقابر فيشاهد أصحاب العزاء وتأسّفهم على ما لا ينفع مع اشتغال الموتى بما هم فيه ،
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة ، 58 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 9 ) ، أحمد بن حنبل ( 2 ، 254 ، 482 ) .
( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 2 ، 314 ) .