الحضرة القدسية ، والفوز بالقرب والعطايا السنيات ، فصارت حية بعد موتها ، منيرة بعد ظلمتها ، صديقة بعد عداوتها ، منقادة بعد جمحها ، مطواعة « 1 » بعد رمحها ، مطمئنة أمارة بالخير بعد سوئها وشرها ، تاركة لحظوظها بعد ما طال فيها انهماكها ، معظمة لشعائر الله تعالى بعد ما عظم فيها انتهاكها ، مسلمة في جميع الأمور بعد ما طال فيها شدة نزاعها ، سماوية بعد ما كانت أرضية بطباعها ، متصفة بمحاسن الأدب الموصلة إلى أعلى الرتب فلما رأى الطاغوت قتل الطاغي ، والنصر العزيز والفتح المبين من الله الكريم ، هرب كما هرب ببدر وصار مشموتا به بالظهور على النفس وعليه ، وأمان الطريق منهما بالقتل والهرب المذكورين بعد أن كان شامتا بظهورهما ، وإلى ذلك أشرت بقولي :
فأضحى طريق القوم بالنصر آمنا وكان لديهم للسكينة تابوتا
وبقولي
وقد هرب الطاغوت في قتل « 2 » طاغى * كبدر وكم من شامت صار مشموتا
والواو في ( وقد هرب ) واو الحال ، وإنما قلت في ( قتل ) « 3 » طاغى بإثبات الياء وتؤيتها « 4 » لضرورة الوزن ، وذلك جائز في الشعر ، والشماته الفرح ببلية العدو ، وأضحى هنا بمعنى صار وكان لديهم للسكينة تابوتا : أعنى كأنهم في نصرهم على النفس الماردة بين أيديهم في وقت قتالهم لها التابوت الذي كانت بنوا إسرائيل تقدمه بين أيديهم عند القتال فلا يقوم لقتالهم « 5 » أحد ، وهو الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، وقد جاءه في التفسير أنه كان من عود عليه صفائح ذهب نزل به ( آدم ) وفيه صور الأنبياء عليه وعليهم ( الصلاة ) « 6 » والسلام ، ( وثبوت تعددهم ) « 7 » . وفي السكينة التي كانت فيه أقوال : منها ما قيل إنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان ، وقيل هي مثل رأسي الهر من زبرجد ، وقيل طست من ذهب ( تغسل ) « 8 » فيه قلوب الأنبياء : وقيل روح من الله يتكلم بما اشتبه عليهم ، وقيل ( وقار ) « 9 » ، وقيل غير ذلك . والله ( سبحانه ) « 10 » أعلم .
هامش
( 1 ) في ك ( مطاعة ) .
( 2 ) في ( ك ) ( من ) .
( 3 ) كلمة قتل ساقط من ( ك ) .
( 4 ) في ( ك ) والأصل ثبوتها والصواب ما أثبتناه .
( 5 ) في أ ، ك ، ب لهم والصواب ما أثبتناه من ط .
( 6 ) الصلاة زائدة من ط .
( 7 ) في ب ، ك بعدهم ، ط بيوت بعدهم والصواب ما أثبتناه من ( أ ) .
( 8 ) في ( ط ) ( يغسل ) وكلاهما صحيح لأنها تجمع على ( طساس طسوس ، طسات ) .
( 9 ) في ( ط ) ( وقال ) .
( 10 ) ( سبحانه ) زيادة من ( ط ) .