تعالى لعبده ، استفاقت لها روحه من منامها . وحييت بها بعد مماتها . واستنارت بها بعد ظلماتها . فالوجد خلعة هذه الجذبة .
قوله « إن أبقى على صاحبه لباسه ، وإلا أبقى عليه نوره » .
يريد بلباسه مقامه « 1 » ، يعني إن أبقى عليه تحقق مقامه فيه ، وإلا أبقى عليه أثره . فمقامه يورثه عزا ومهابة وخلافة نبوة ، ومنشور صديقية . وأثره يورثه حلاوة وسكينة ، وأنسا في نفسه وأنسا للقلوب به ، وهوى الأفئدة إليه .
قال « الدرجة الثالثة : وجد يخطف العبد من يد الكونين . ويمحص معناه من درن الحظ ، ويسلبه من رق الماء والطين ؛ إن سلبه أنساه اسمه . وإن لم يسلبه أعاره رسمه » .
فقوله « يخطف العبد من يد الكونين » أي يغنيه عن شهود ما سوى اللّه من كوني الدنيا والآخرة . فيختطف القلب من شهود هذا وهذا بشهود المكون .
قوله « ويمحص معناه من درن الحظ » أي يخلص عبوديته التي هي حقيقته وسره من وسخ حظوظ نفسه وإراداتها ، المزاحمة لمراد ربه منه . فإن تحقيق العبودية - التي هي معنى العبد - لا يكون إلا بفقد النفس الحاملة للحظوظ . فمتى فقدت حظوظها تمحصت عبوديتها . وكلما مات منها حظ حيي منها عبودية ومعنى . وكلما حيي فيها حظ ماتت عبودية ، حتى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين : قلب حي ، وروح حية بموت نفسه وحظوظها ، وقلب ميت ، وروح ميتة بحياة نفسه وحظوظه . وبين ذلك مراتب متفاوتة في الصحة والمرض ، وبين بين ، لا يحصيها إلا اللّه عز وجل .
قوله « ويسلبه من رق الماء والطين » أي يعتقه ويحرره من رق الطبيعة والجسم المركب من الماء والطين ، إلى رق رب العالمين ، فخادم الجسم الشقي بخدمته عبد الماء والطين ، كما قيل :
يا خادم الجسم ، كم تشقى بخدمته ؟ * فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
والناس في هذا المقام ثلاثة : عبد محض . وحر محض ، ومكاتب قد أدى بعض كتابته .
وهو يسعى في بقية الأداء .
فالعبد المحض : عبد الماء والطين . الذي قد استعبدته نفسه وشهوته ، وملكته وقهرته .
فانقاد لها انقياد العبد إلى سيده الحاكم عليه .
والحر المحض : هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها . فانقادت معه ، وذلت له ودخلت تحت رقه وحكمه .
والمكاتب : من قد عقد له سبب الحرية . وهو يسعى في كمالها . فهو عبد من وجه حر من وجه . وبالبقية التي بقيت عليه من الأداء يكون عبدا ما بقي عليه درهم . فهو عبد ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه .
فالحر من تخلص من رق الماء والطين . وفاز بعبودية رب العالمين ، فاجتمعت له العبودية
هامش
( 1 ) الصوفية يريدون باللباس : الذاتية البشرية المغايرة لذات الرب . وهذا ما يشير إليه بقوله : « يسلبه من رق الماء والطين » « وأنساه اسمه » فتأمل .