تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 694

مساهمون:

ص٦٩٤
وينغمر بما يعقبه بعده ، ويخلفه من أضداده . قال « الدرجة الثانية : وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي . أو سماع نداء أولي ، أو جذب حقيقي . إن أبقى على صاحبه لباسه ، وإلا أبقى عليه نوره » . إنما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأول : لأن محل اليقظة فيه هو الروح ، ومحلها في الأول : السمع والبصر والفكر . والروح هي الحاملة للسمع والبصر والفكر . وهذه الأوصاف من صفاتها . وأيضا فلعل وجد الروح سبب آخر . وهو علو متعلقه ، فإن متعلق وجد السمع والبصر والفكر : الآيات والبصائر . ومتعلق وجد الروح : تعلقها بالمحبوب لذاته . ولذلك جعل سببه « لمع نور أزلي » يعني شهودها لمع نور الحقيقة الأزلي . وهذا الشهود لا حظّ فيه للسمع ولا للبصر ولا للفكر . بل تستنير به الأسماع والأبصار . لأن الروح لما استنارت بهذه اليقظة والإفاقة . ثم استنارت بنورها الأسماع والأبصار . لا سيما وصاحبها في هذه الحال إنما يسمع باللّه ويبصر به . وإذا كان سمعه وبصره وبطشه باللّه ، فما الظن بحركة روحه وقلبه وأحكامها ؟ . وقوله « أو سماع نداء أولي » إن أراد به : تعرف الحق تعالى إلى عباده بواسطة الخطاب على ألسنة رسله - وهذا هو الخطاب الأزلي - فصحيح . وإن أراد به : خطاب الملك له : فليس بخطاب أزلي . وإن أراد ما سمعه في نفسه من الخطاب : فهو خطاب وهمي . وإن ظنه أزليا . فإياك والأوهام والغرور . ونحن لا ننكر الوجود ، ولا ندفع الشهود . وإنما نتكلم مع القوم في رتبته وإنشائه ، ومن أين بدأ ؟ وإلى أين يعود ؟ فلا ننكر واعظ اللّه في قلب عبده المؤمن الذي يأمره وينهاه . ولكن ذلك في قلب كل مؤمن جعله اللّه واعظا له يأمره وينهاه ، ويناديه ويحذره ، ويبشره وينذره . وهو الداعي الذي يدعو فوق الصراط . والداعي على رأس الصراط : كتاب اللّه . كما في « المسند » « والترمذي » من حديث النواس ابن سمعان رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « ضرب اللّه مثلا : صراطا مستقيما . وعلى جنبتي الصراط سوران . وفي السورين أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو فوق الصراط . فالصراط المستقيم : الإسلام ، والأبواب المفتحة : محارم اللّه . فلا يقع أحد في حد من حدود اللّه حتى يكشف الستر . والداعي على رأس الصراط : كتاب اللّه . والداعي فوق الصراط : واعظ اللّه في قلب كل مؤمن » . فما ثم خطاب قط إلا من جهة من هاتين : إما خطاب القرآن ، وإما خطاب هذا الواعظ . ولكن لما كانت الروح قد تتجرد ويقوى تعلقها بالحق تعالى . بل قد تتلاشى بما سواه . وقد يقترن بذلك نوع غيبة من حسه ، ويقوى داعي هذا الواعظ . ويستولي على قلبه وروحه ، بحيث يمتلئ به ، فتؤديه الروح إلى الأذن ، فيخرج عن الأذن إليها . إذ هي مبدؤه . وإليها يعود ، فيظنه خطابا خارجا . وينضاف إلى ذلك نوع من ضعف العلم ومعرفة المراتب . فينشأ الغلط والوهم . قوله « أو جذب حقيقي » يعني : أن من أسباب هذا « الوجد » جذبة حقيقية من جذبات الرب