ويتولدان من الوفاء تارة ، والجفاء تارة . فوفاؤه : يورثه البسط . ورجاؤه يورثه القبض .
ويتولدان من التفرقة تارة ، والجمعية تارة . فتفرقته تورثه القبض . وجمعيته تورثه البسط .
ويتولدان من أحكام الوارد تارة . فوارد يورث قبضا ، ووارد يورث بسطا .
وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه . وبسط لا يدري ما سببه . وحكم صاحب هذا القبض : أمران :
الأول : التوبة والاستغفار . لأن ذلك القبض نتيجة جناية . أو جفوة . ولا يشعر بها .
والثاني : الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك الوقت ، ولا يتكلف دفعه . ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرا . ولا يطلب طلوع الفجر في وسط الليل ، وليرقد حتى يمضي عامة الليل . ويحين طلوع الفجر . وانقشاع ظلمة الليل . بل يصبر حتى يهجم عليه الملك . فاللّه يقبض ويبسط .
وكذلك إذا هجم عليه وارد البسط : فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز . وليحرزه بالسكون والانكماش . فالعاقل يقف على البساط ، ويحذر من الانبساط ، وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم : إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم ويهيج أفراحهم ، قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار ، حتى كأنه لم يهجم عليهم وقال كعب بن زهير في مدح المهاجرين :
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم * قوما . وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
قال « الدرجة الثالثة : ذهول مع صحبة الاستقامة . وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب » .
« الذهول » ههنا : الغيبة في المشاهدة بالحال الغالب ، المذهل لصاحبه عن التفاته إلى غيره .
وهذا إنما ينفع إذا كان مصحوبا بالاستقامة . وهي حفظ حدود العلم ، والوقوف معها ، وعدم إضاعتها . وإلا فأحسن أحوال هذا الذاهل : أن يكون كالمجنون الذي رفع عنه القلم . فلا يقتدى به . ولا يعاقب على تركه الاستقامة .
وأما إن كان سبب الذهول المخرج عن الاستقامة ، باستدعائه وتكلفه وإرادته : فهو عاص مفرط ، مضيع لأمر اللّه . له حكم أمثاله من المفرطين .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : متى كان السبب محظورا ، لم يكن السكران معذورا .
وقوله : « وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب » .
يريد به : ملازمته رعاية حقوق اللّه مع التأدب بآدابه . فلا يخرجه ذهول عن استقامته . ولا عن رعاية حقوق سيده ، ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه . واللّه المستعان .
منزلة الأدب
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الأدب » .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ التّحريم : 6 ] قال ابن عباس وغيره : أدبوهم وعلموهم .
وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع . فالأدب : اجتماع خصال الخير في العبد ، ومنه المأدبة .
وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس .