الآية : كل يعمل على ما يشاكله ، ويناسبه ، ويليق به . فالفاجر يعمل على ما يليق به . وكذلك الكافر والمنافق ، ومريد الدنيا وجيفتها : عامل على ما يناسبه ، ولا يليق به سواه . ومحب الصور : عامل على ما يناسبه ويليق به .
فكلّ امرئ يهفو إلى ما يحبه * وكلّ امرئ يصبو إلى ما يناسبه
فالمريد الصادق المحب للّه : يعمل ما هو اللائق به والمناسب له . فهو يعمل على شاكلة إرادته . وما هو الأليق به ، والأنسب لها .
قال « الإرادة : من قوانين هذا العلم ، وجوامع أبنيته . وهي الإجابة لدواعي الحقيقة ، طوعا أو كرها »
يريد : أن هذا العلم مبني على الإرادة . فهي أساسه ، ومجمع بنائه . وهو مشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة . وهي حركة القلب . ولهذا سمي « علم الباطن » « 1 » كما أن علم « الفقه » يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح . ولهذا سموه « علم الظاهر » .
فهاتان حركتان اختياريتان . وللعبد حركة طبيعية اضطرارية . فالعلم المشتمل على تفاصيلها ، وأحكامها : هو علم الطب . فهذه العلوم الثلاثة : هي الكفيلة بمعرفة حركات النفس والقلب . وحركات اللسان والجوارح ، وحركات الطبيعة .
فالطبيب : ينظر في تلك الحركات من جهة تأثر البدن عنها صحة واعتلالا ، وفي لوازم ذلك ومتعلقاته .
والفقيه : ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشرع ، ونهيه وإذنه ، وكراهته ، ومتعلقات ذلك .
والصوفي : ينظر في تلك الحركات من جهة كونها موصلة له إلى مراده . أو قاطعة عنه ، ومفسدة لقلبه ، أو مصححة له .
وأما قوله : « وهي الإجابة لداعي الحقيقة » .
ف « الإجابة » هي الانقياد ، والإذعان ، و « الحقيقة » عندهم : مشاهدة الربوبية . و « الشريعة » التزام العبودية . فالشريعة : أن تعبده . والحقيقة : أن تشهده . فالشريعة : قيامك بأمره . والحقيقة :
شهودك لوصفه . وداعي الحقيقة : هو صحة المعرفة . فإن من عرف اللّه أحبه ولا بد .
ولا بد في هذه « الإجابة » من ثلاثة أشياء : نفس مستعدة قابلة . لا تعوز إلا الداعي . ودعوة مستمعة ، وتخلية الطريق من المانع .
فما انقطع من انقطع إلا من جهة من هذه الجهات الثلاث .
وقوله : « طوعا أو كرها » يشير إلى المجذوب ، المختطف من نفسه ، والسالك إرادة واختيارا ومجاهدة .
هامش
( 1 ) ولعله سمي كذلك . لأنه يقوم على الألغاز والأسرار والرموز التي تستر مقاصدهم ، وتخفي أغراضهم .
والذي أدخله في البيئة الإسلامية : الجمعية الباطنية المكونة من فلول الفرس واليهود ، وهي التي قتلت عمر .
وأوقدت من الفتن ما كان بسبب عثمان ، وعلي . وبذرت كل بذور هذه الفتن التي يصلى المسلمون نارها إلى اليوم .