وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم : في رياضة النفوس ، وتأديب الجوارح ، وحفظ الحدود ، وترك الشهوات .
وأما أهل الخصوصية : فأكبر آدابهم : في طهارة القلوب ، ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب ، في مواقف الطلب ، وأوقات الحضور ، ومقامات القرب .
وقال سهل : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد اللّه بالإخلاص .
وقال عبد اللّه بن المبارك : قد أكثر الناس القول في « الأدب » ونحن نقول : إنه معرفة النفس ورعوناتها ، وتجنب تلك الرعونات .
وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب .
وقال بعضهم : الحق سبحانه يقول : « من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي : ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي « 1 » : ألزمته العطب ، فاختر الأدب أو العطب » .
ويشهد لهذا : أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك . ولم يثبت على عظمة الذات .
وقال أبو عثمان : إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب .
وقال النوري رحمه اللّه : من لم يتأدب للوقت فوقته مقت .
وقال ذو النون : إذا خرج المريد عن استعمال الأدب : فإنه يرجع من حيث جاء .
وتأمل أحوال الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم مع اللّه ، وخطابهم وسؤالهم . كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به ؟ .
قال المسيح عليه السلام :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] ولم يقل : لم أقله .
وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب . ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره . فقال :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
[ المائدة : 116 ] ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه ، فقال :
وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] ثم أثنى على ربه . ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها . فقال :
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ المائدة : 109 ] ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به - وهو محض التوحيد - فقال :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
[ المائدة : 117 ] ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم . وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم ، وأن اللّه عزّ وجلّ وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم . فقال :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 117 ] ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم . فقال :
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ المائدة : 117 ] ثم قال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
[ المائدة : 118 ] وهذا من أبلغ الأدب مع اللّه في مثل هذا المقام . أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم . وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك . فإذا عذبتهم - مع كونهم عبيدك - فلو لا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد ، وأعتاهم
هامش
( 1 ) وهل تنكشف حقيقة الذات العلية ؟ سبحان ربنا وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وهم يقصدون : أن من انكشفت له الحقيقة تكلم . وقال : ما في الجبة إلا اللّه . فتعرض للهلاك والعطب كالحلاج .