على سيدهم ، وأعصاهم له : لم تعذبهم . لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته . فلماذا يعذب أرحم الراحمين ، وأجود الأجودين ، وأعظم المحسنين إحسانا عبيده ؟ لولا فرط عتوّهم ، وإباؤهم عن طاعته ، وكمال استحقاقهم للعذاب .
وقد تقدم قوله :
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ المائدة : 109 ] أي هم عبادك . وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم . فإذا عذبتهم : عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه . فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه . فليس في هذا استعطاف لهم ، كما يظنه الجهال . ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة ، كما تظنه القدرية . وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله ، وكمال علمه بحالهم ، واستحقاقهم للعذاب .
ثم قال :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ المائدة : 118 ] ولم يقل « الغفور الرحيم » وهذا من أبلغ الأدب مع اللّه تعالى . فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم ، والأمر بهم إلى النار .
فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة . بل مقام براءة منهم . فلو قال : « فإنك أنت الغفور الرحيم » لأشعر باستعطافه ربّه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم . فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب الرب عليهم . فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة ، المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم .
والمعنى : إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم . ليست عن عجز عن الانتقام منهم ، ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم . وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه . ولجهله بمقدار إساءته إليه . والكمال : هو مغفرة القادر العالم . وهو العزيز الحكيم . وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب .
وفي بعض الآثار « حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك . لك الحمد على حلمك بعد علمك . واثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك . لك الحمد على عفوك بعد قدرتك » ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى ، كقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
[ النّساء : 12 ] وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
[ النّساء : 149 ] .
وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه وسلم :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) [ الشّعراء : الآيات 78 - 80 ] ولم يقل : « وإذا أمرضني » حفظا للأدب مع اللّه .
وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] ولم يقل :
« فأراد ربك أن أعيبها » وقال في الغلامين :
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
[ الكهف : 82 ] .
وكذلك قول مؤمني الجن :
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الجنّ : 10 ] ولم يقولوا « أراده ربهم » ثم قالوا :
أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
[ الجنّ : 10 ] .
وألطف من هذا قول موسى عليه السلام :
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
[ القصص :
24 ] ولم يقل « أطعمني » .
وقول آدم عليه السلام :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ الأعراف : 23 ] ولم يقل « رب قدرت عليّ وقضيت عليّ » .