قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( طه : 52 ) فلإضافة هذا الكتاب إلى الحضرة العندية سمى بالروح المضاف ولأن الجسمانية ليست أهلا لتلك الحضرات .
وهكذا من المعلوم أنه ليس المراد بكون الأشياء مثبتة في هذا الكتاب كونها مستفادة للحق سبحانه منه ، ليصير هذا الكتاب المحفوظ من المحو والتبديل ، هو الذي لأجله لا يضل عن علم الحق شئ ، ولا يعزب عنه ولا ينساه ، لاستحالة أن يوصف الواجب لذاته باستفادة من الممكن بوجه ، إذ الممكن بإفادة الواجب كذلك ، بل الأمر في ذلك على ما عرفته من كونه لما كان العلم بالأشياء ، وبتعين تميزاتها مستدعيا لثبوت الكثرة ولتميزات أفرادها ، ولغيريتها للواحد الحق ، وأن ذلك واجب الانتفاء في التعين الأول لكونه هو حقيقة الوحدة الحقيقية ، التي لا يصح مجامعتها لكثرة أو غيرية بوجه لا جرم استدعت « 1 » المعلومات ، لأجل تعدداتها المقتضية للكثرة والتمييز المستحيل مجامعتها للواحد لتنافيهما إلى أن يكون لها حضرة هي محل تفصيل تلك الكثرات والتعددات وتميزاتها ، ولأجل عثور صاحب التلويحات بهذه الحضرة من بعض وجوهها .
استدرك على ما ذكره في الإشارة من كونه تعالى إنما يعلم الكليات بحصول صورها فيه ، وأنه لا يعلم الجزئيات لتغيرها ، وذلك لأجل البينونة الواقعة بين فهم صاحب النظر العقلي من الحكماء والمتكلمين ، وبين ذوق المكاشف في معرفتهما لحضرة الارتسام المشار إليها في عبارات القوم ، بأن الأشياء مرتسمة في نفس الحق ، ففهم بعضهم من ذلك حصول صور الأشياء في ذاته تعالى كما ذكر في الإشارات أو في جواهر المعارف كما ذكر صاحب التلويحات .
هامش
( 1 ) في الأصل : استندعت .