البداية من أصحاب الرياضة والجوع ؛ فإنّهم « 1 » إذا صفت بواطنهم اتّصل خيالهم بعالم المثال ، ومنحوا كشف الصور والأخبار عن المغيّبات فمنهم من حجبوا بها عن كشف الحقائق والمعاني ، وحرّموا أنوار التجلّيات - لضعف استعدادهم وقصورهم - ومنهم من خرقوا حجاب « 2 » المثال وجاوزوا الصور إلى المعاني والمعارف وفازوا بالتجلّيات الإلهيّة .
وإنّما همم أهل اللّه لا تتعلّق بأحوال الخلق ، ولا تقف إلّا بشهود الحقيقة وتجلّيها في المظاهر بحسب استعداداتها ، ولا تتفرّغ إلى أحوال الخلق ، فإنّ كشف الصور والاطّلاع على أحوال الخلق نازل عن مقامهم ، قد يحصل بصفاء النفس ، ولا يختصّ به أهل السلوك ، بل أهل الإيمان ؛ فإنّ أهل الذمّة من اليهود والنصارى والمجوس والكهنة من كلّ فرقة يشاركونهم في ذلك ، وقد يجمعهما « 3 » اللّه لأقوام لسعة استعدادهم وكمال صفائهم ، وقد يضنّ بقوم من العرفاء عن الالتفات إلى أحوال الخلق وتتبّع أمورهم والنظر إلى عالم الخلق وكشف الصور « أ » .
هامش
( 1 ) د : فانّها .
( 2 ) د : حجب .
( 3 ) ب : يجمعها .
( أ ) قال في الاصطلاحات :
[ البصيرة في الأصول ] تنوّر العقل بنور الحقّ ، حتّى يشهد جميع الأشياء منه ، ويشهد عدله في الهداية والإضلال واختلاف الأقسام ، وبرّه في التضييق والإعسار .
وصورتها في البدايات إدراك أخبار حقيقة الشريعة وصدق مخبرها .
وفي الأبواب الإلتذاذ بها وبسماعها والذوق من فهمها والغضب لها .
وفي المعاملات معاينة جذب الحقّ إياه بحبل التوفيق للطاعة والتقريب بالوصل .
وفي الأخلاق شهود اختصاص الحقّ بخلع أخلاقه تعالى .