ظاهر الأرض بلا كلفة قنّاء ولا صنعة صانع ؛ ولهذا شبّهها بماء العيون وأورد التفجير .
وبما ذكرنا يفهم الفرق بين « المعرفة » و « العلم » فإنّ المعرفة شهوديّة لا مدخل للكسب فيها ، والعلم ما قام بدليل وقد يحصل بكسب - بخلافها - فهي روح العلم ، ألطف من أن تقتنص بالأفكار والأذكار .
« وتثبت الإشارة » يعني أنّ الحقيقة ألطف من أن يعبّر عنها بعبارة ، أو تعرف بعلم ، فأشار العرفاء إلى ما شهدوا منها بإشارات « 1 » لطيفة لا تفيد معنى لغيرهم من العلماء ، وتفيد لأهل العرفان معنى ما أراد بها من أشار بها ؛ فينكرها علماء الرسوم لكونها غير مفهمة لهم شيئا ، وتثبتها من شهد معناها .
فمن وردت عليه المعرفة أثبتها ، فالبصيرة إذا بلغت هذا الحدّ أثبتت الإشارة ، وأنبتت الفراسة .
ولمّا شبّه المعرفة بالماء الجاري على وجه الأرض ، شبّه الفراسة بالنبات ، فإنّها تظهر في أرض القلب الطاهر الصافي عن أكدار التعلّق بالأكوان ، الباقي على الفطرة الأصليّة ؛ فإنّ جميع قلوب بني آدم في الأصل قابلة للفراسة بحسب الفطرة ، لكنّها قد أقبلت على الدنيا ، واشتغلت بلذّاتها وشهواتها ، وأعرضت عن عبادة اللّه تعالى و « 2 » ذكره ، وشرعت في معاصيه وأكلت الحرام وأكثرت الفضول والمنام « 3 » ، فاظلمت وصارت في أكنّة وارتكم الرين عليها ، كما قال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 83 / 14 ] .
فمن وفّقه اللّه تعالى لتزكية « 4 » نفسه وتصفية قلبه بالزهد والعبادة ، وطهّر قلبه عن دنس هذه التعلّقات وأخلصه عن هذه الظلمات ، وفجّر فيه المعارف
هامش
( 1 ) ب ، ج ، د : بإشارة .
( 2 ) د : في .
( 3 ) ب : - والمنام .
( 4 ) ج : بتزكية . د : تزكية .