ومع أنّ هذا الحال من قوّة جواذب أنوار الجمال الأقدس ، فمن حفظ عن مثل هذا الحال ، وحوفظ عليه عقله وعلمه - حتّى بلغ حدّ التمكين ، ولم يحكم عليه علم الشريعة بالفتنة المضلّة - كان من أهل التأييد الإلهيّ ، معصوما خلّصه اللّه « 1 » من الآفات ؛ ولهذا ورد في الدعاء المأثور عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم « 2 » « أسألك شوقا إلى لقائك من غير ضرّاء مضرّة ولا فتنة مضلّة » .
واستشهد به الشيخ - قدّس اللّه روحه « 3 » - على أنّ الشوق إلى اللقاء هو هذا المقام « أ » فإنّ هذا الانس المشوب بالهيمان عين « 4 » الشوق إلى الشهود .
و « الضرّاء المضرّة » ذهاب العقل . و « الفتنة المضلّة » انحلال قيود العلم فإنّ ذهاب العقل مضرّ بالدنيا والآخرة ، ومرض شبيه بالجنون ، والانحلال عن قيود العلم زندقة مؤدّية إلى الضلال والإضلال .
هامش
( 1 ) ب ، ج : + تعالى .
( 2 ) ب ، ج : صلى اللّه عليه وسلّم . م : صلى اللّه عليه . ه : عليه السلام .
( 3 ) ب ، ج ، ه : رحمه اللّه .
( 4 ) د : غير .
( أ ) ردّ ابن القيّم على الشيخ وقال : ( مدارج 2 / 394 ) وأمّا استدلاله بقول النبي . . . فليس مطابقا لما ذكره في هذه الدرجة . . . ورسول اللّه ص لم يكن ليسأل حالة الفناء قطّ ، وإنّما سأل شوقا موجبا للبقاء ، مصاحبا له . . . وإنّما المسؤول أن يهب له شوقا إلى لقائه ، مصاحبا للعافية والهداية .
فلا تصحبه فتنة ولا محنة ، وهذا من أجلّ العطايا والمواهب . فإنّ كثيرا ممن يحصل له هذا لا يناله إلّا بعد امتحان واختبار ، هل يصلح ، أم لا ؛ ومن لم يمتحن ولم يختبر فأكثرهم لم يؤهل لهذا » .
وكلام الشيخ أقوى - واللّه اعلم - إذ البقاء بعد الفناء ، ولا طفرة . ثمّ الغرض من الفتنة ليس الاختبار - كما اشتهر في الألسن - فإنّه تعالى عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة ولا يحتاج إلى الاختيار ، والاعتذار بأنّه لإعلام العباد باطل نظرا إلى عظمته تعالى . وإنّما المراد من الفتنة إيصال القوى والاستعدادات الموجودة في العباد إلى الفعل ، حتّى يؤهل العبد للعناية الكاملة ، ولا يغني أحد عن عونه تعالى وحفظه ولو بلغ ما بلغ في الارتقاء ، بل من كان في السير أعلى وأكمل فهو إلى حفظه تعالى وعونه أحوج ممّن هو دونه ، إذ الفاقد للشيء غير محتاج إلى حفظه ، وقال علي عليه السّلام :
« والمخلصون في خطر عظيم » .