وفي الأصول طيران القلب في الترقّي لصحّة العزم وقوّة الإرادة وتنسّم روح الانس واستشراف نور المودّة .
وفي الأودية الانخراط في سلك التوحيد بهداية العلم والحكمة وتحديق البصيرة لاستشراف لمعان أنوار التجلّي بقوّة الهمّة .
وفي الأحوال الانجذاب إلى الجناب الإلهي بقوّة الحبّ والولوع بنور الجمال لشدّة الشوق .
وفي الولايات الاستغراق في بحار سبحات الجمال والانقطاع عن الأغيار لهتك أستار الجلال . وفي الحقائق اللياذ بنور أحديّة الذات من استيلاء سلطنة أنوار كثرة الصفات .
وفي النهايات الاضمحلال في عين جمع الوجود والخلاص عن رسم التعيّن بمحض الشهود .
قال في مئة ميدان : الميدان الثالث الإنابة
من ميدان المروّة يتولّد ميدان الإنابة ، قوله تعالى
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
[ 40 / 13 ] . الإنابة ما ذا ؟ الرجوع بالكلّ من شيء .
الإنابة على ثلاثة أقسام : الأول إنابة الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - الذين رجعوا بكلّهم ، ولا قدرة لغير الأنبياء لذلك . قال لإبراهيم عليه السّلام :
أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
[ 11 / 75 ] ولداود قال :
خَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
[ 38 / 24 ] وقال لشعيب :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
[ 11 / 88 ] . ولمصطفى صلى اللّه عليه وسلّم :
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
[ 31 / 15 ] . والإنابة الأخرى التوحيد ، فدعا الأعداء :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ 3954 ]
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ
[ 30 / 31 ] .
الثالث إنابة العرفاء ، فالرجوع في الحال معه :
وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ
[ 39 / 17 ] .
وأما إنابة الأنبياء ثلاثة أشياء : التخوّف مع بشارة الحريّة ، والخدمة والاستكانة مع شرف النبوّة ، وتحمل عبء البلاء بقلوب مملوّ من السرور .
وإنابة التوحيد لها ثلاث علامات : الإقرار والإخلاص وقبول بصيريّته ، والثانية الانقياد لطاعته ، الثالث حفظ حرمة نهيه . ولإنابة العرفاء علامات ثلاثة : البعد عن المعصية ، والخجل من الطاعة ، والأنس مع الحقّ في الخلوة .