واستغنم الوقت واحضر دائما معهم * واعلم بأنّ الرّضى يختصّ من حضرا
أي : واستغنم وقت صحبة الفقراء ، واحضر دائما معهم بقلبك وقالبك ، تسري إليك زوائدهم ، وتغمرك فوائدهم ، وينصح ظاهرك بالتأدب بآدابهم ، ويشرق باطنك بالتحلّي بأنوارهم ، فإنّ من جالس جانس ، فإن جلست مع المحزون حزنت ، وإن جلست مع المسرور سررت ، وإن جلست مع الغافلين سرت إليك الغفلة ، وإن جلست مع الذاكرين انتبهت من غفلتك ، وسرت إليك اليقظة ، فإنهم القوم لا يشقى جليسهم ، فكيف يشقى خادمهم ومحبهم وأنيسهم ؟ ! وما أحسن ما قيل :
لي سادة من عزّهم * أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم * فلي في حبّهم عزّ وجاه « 1 »
واعلم أن هذا الرضى وهذا المقام : يخص من حضر معهم بالتأدب ، وخرج عن نفسه ، وتحلّى بالذّلّة والانكسار ، فأخرج عنك إذا حضرت بين أيديهم ، وانطرح وانكسر إذا حللت بناديهم ، فعند ذلك تذوق لذة الحضور ، واستعن على ذلك بملازمة الصمت ، تشرق لك أنوار الفرح ، ويغمرك السرور ، كما قال رضي اللّه عنه :
ولازم الصّمت إلّا إن سئلت فقل * لا علم عندي وكن بالجهل مستترا
هامش
( 1 ) البيتان منسوبان لابن عطاء اللّه السكندري رضي اللّه عنه في ديوان « قصائد وأناشيد السادة الصوفية » ص 247 .