للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس ، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها ، وهذا من بديع التأكيد ، لاشتماله على السابق مع شيء جديد .
المفردات والتراكيب .
( السيئ ) هو القبيح ، والقبائح المنهى عنها فيما تقدم قبيحة لذاتها ، ولنهى اللّه تعالى عنها .
( والمكروه ) : هو المبغوض المسخوط عليه ، وهو ضد المحبوب المرضى عنه .
والمحاسن محبوبة للّه ، أمر بها ويثيب عليها ، ويرضى على فاعلها ، والمقابح مبغوضة له تعالى ، نهى عنها ، ويعاقب عليها ، ويسخط على مرتكبها .
وليس المكروه بمعنى عدم المراد ، لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد ؛
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
( 30 ) [ الإنسان : 30 ] .
وليس بمعنى المنهى عنه نهيا غير جازم ؛ لأن ذلك اصطلاح فقهى حادث بعد نزول القرآن : والقرآن لا يفسر الحادثة بالاصطلاحات .
توجيه القراءات :
( ذلك ) : إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة ( سيئة ) فالمكروه هو سيئ ما تقدم ، وهو القبائح المنهى عنها .
أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة : ( سيئة ) .
و ( مكروها ) : خبر كان على القراءة الأولى ، وخبر ثان على القراءة الثانية .
وتقدير الكلام على القراءة الأولى :
كل ذلك المذكور كان سيئه - وهو المنهيات - مكروها عند ربك ، ومفهومه : أن حسنه - وهو المأمورات - محبوب عنده .
وعلى الثانية :
كل ذلك المنهى عنه كان سيئة مكروها عند ربك ومفهومه : أن المأمور به حسن عنده .
المعنى :
عرف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها - على ما تقدم في التقرير - أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب ، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض .
فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة ، وأنه لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن .
وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الامتثال ويرغبهم فيه ، فإن الحسن تميل إليه النفوس ، والقبيح تنفر منه .