تقول العرب : أمرح الفرس فمرح ، فهو فرس مرح وممراح ، وإذا شبع فأخذ يمشى بخفة ونشاط واختيال ، ويقال : مرح الرجل ؛ إذا اختال في مشيته ونظر في عطفيه ، ولا يكون ذلك إلا لفرحه بنفسه وإعجابه بها .
( وخرق الأرض ) : ثقبها .
( والطول ) : ارتفاع القامة .
اللغة :
نصب ( مرحا ) ب ( تمش ) ؛ لأنه متضمن له تضمن الكلى لجزئيه ، إذ المرح جزئي من جزئيات المشي ؛ فكأنه قال : لا تمرح مرحا ، ونظيره قول الشاعر :
يعجبه السخون والبرود * والتمر حبا ما له مزيد
فنصب ( حبا ) ب ( يعجب ) ، لأن الإعجاب متضمن للحب .
أو نصب على أنه حال : ك ( جاءني زيد ركضا ) .
ونصب ( طولا ) على أنه تمييز ، أي : من جهة الطول ، والتقدير : ولن يبلغ طول الجبال .
المعنى :
حب النفس سبب العجب :
حب الإنسان لنفسه غريزة فيه ، وذلك يحمله على الإعجاب والفرح بها ، وبكل ما يصدر عنها ، ويستخفه ذلك حتى يتركه يمشى بين الناس مختالا مختبرا ، وهذه هي مشية المرح إلى نهى اللّه تعالى في هذه الآية عنها .
ولما كانت هي فرعا عن الإعجاب بالنفس والفرح بها ، فالنهي منصب على أصلها كما انصب عليها .
لطيفة في الدواء :
ولما كانت هذه العلة ناشئة عن علة العجب ، أعقب اللّه تعالى بيان الداء الذي نهى عنه ، بذكر الدواء الذي يقلعه من أصله ، فقال تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
( 37 ) [ الإسراء : 37 ] ، فذكر الإنسان بضعفه بين مخلوقين عظيمين من فوقه ومن تحته ، فإذا ضرب برجليه الأرض في مرحه فهو لا يستطيع خرقها ، وإذا تطاول بعنقه في اختياله فهو لن يبلغ طول الجبال ، فقد أحاط به العجز من ناحيتيه .
وذكر الإنسان لضعفه وعجزه أنجع دواء لمرض إعجابه بنفسه .
نعم ؛ الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله ، ولكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحا ، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه ، ونقائص بشريته ، فلا يدعه يعجب ، فلا