الفصل التاسع والعشرون في فضل أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم
الحمد للّه الذي خلق كل شئ فقدّره ، وعلم مورد كل مخلوق ومصدره ، وأثبت في أم الكتاب ما قضاه وسطّره ، فلا مؤخر لما قدمه ، ولا مقدم لما أخّره ، المنفرد بالقدم والبقاء والعز والكبرياء ، فالعقول عن إدراكه قاصرة ، والألسن عن إحصاء ثنائه مقصرة ، القدوس الصمد الواحد فلا مشارك له فيما أبدعه وفطره ، الحي العليم ، القدير السميع البصير ، اللطيف الخبير ، فلا يخفى عنه ما أسرّه العبد وأضمره ، المتكلم بكلام قديم أزلي أنزله تذكرة :
( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرامٍ بَرَرَةٍ )
تبا لمن جحد صفات الكمال وعارض القرآن بالجدال فما أكفره ، وسحقا لمن شبه ومثل ، لقد ابتدع بدعة منكرة ، وطوبى لمن وقف حيث أوقفه مولاه ولم يتعدّ ما بلغه الرسول وأخبره ، فشمس الكتاب والسنة طالعة مشرقة ليس دونها سحاب ولا غبرة ، لكن بقيت قسمة المالك الذي أعمى من شاء وهدى من شاء وبصره ، خلق آدم من طين وصوّره ، وبوأه دار كرامته حتى استنزله الشيطان بأكل الشجرة ، فأخرجه من الجنة ثم اجتباه وتاب عليه وخبره ، ورفع إدريس مكانا عليا وكان كلما تنفس سبح اللّه وذكره ، وأرسل نوحا بعد فترة وأطال عمره واستجاب دعاءه في هلاك من كذبه وكفره ، وأهلك عادا بالريح ونجى هودا ونصره ، ودمر ثمود بالصيحة وسلم صالحا لما بلّغ ما أمره ، واتخذ إبراهيم خليلا ، وأهلك عدوه نمرود ودمره ، ونجى لوطا وخفّ بقومه فديارهم بحيرة مشتهرة ، ورزق الخليل إبراهيم