تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصّلاة والسلام : يا داود أنين المذنبين أحب إلىّ من صراخ العابدين . وقال رجل لرابعة « 1 » : إني كثير الذنوب ، فإن تبت فهل يتوب اللّه علىّ ؟ قالت : لا ، بل إن تاب عليك « 2 » تبت . وقال يحيى بن معاذ : ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها وأصل التوبة في اللغة الرجوع ، يقال تاب وأناب بمعنى رجع ، فالتوبة الرجوع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة ، ويقال : من رجع عن المخالفات خوفا من عذاب اللّه تعالى فهو تائب ، ومن رجع حياء من نظر اللّه تعالى فهو منيب ، ومن رجع تعظيما لجلال اللّه فهو أوّاب ، ومعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » يعنى أنه يترك المعاصي تعظيما لجلال اللّه ولو لم يتوعد اللّه عليها بالعقوبة . ويقال أول التوبة يقظة من اللّه تعالى تقع في القلب ، فيتذكر العبد تفريطه وإساءته وكثرة جناياته مع دوام نعم اللّه تعالى عليه ، فيعلم أن الذنوب سموم قاتله ، يخاف منها حصول المكروه وفوات المحبوب في الدنيا والآخرة ، فإذا حصل له هذا العلم أثمر حالا وهو الندم على تضييع حق اللّه تعالى ، ثم يثمر الندم عملا ، وهو المبادرة إلى الخيرات وقضاء الواجبات ، ورد الظلامات ، والعزم على إصلاح ما هو آت ، فهذه الأمور الثلاثة إذا انتظمت فهي التوبة . ومعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « النّدم توبة » أن أعظم أركانها الندم ، وأنه لا يحصل حتى يتقدمه الركن الأول وهو العلم بضرر الذنوب ، وإذا حصل الندم تبعه الركن الثالث وهو العمل في الإصلاح ، وكل من تكلم في حقيقة التوبة بكلام لم يجمع هذه الأركان الثلاثة التي هي ضرر الذنوب ، ثم حال الندم ، ثم حال العمل في الإصلاح ، وإنما تكلم على أحد الأركان أو على ركنين منها . ويقال : التوبة الحياء العاصم والبكاء الدائم . ويقال : التوبة الندم على ما فات وإصلاح ما هو آت . ويقال : التوبة قود النفس إلى الطاعة بخطام الرغبة وردّها عن
هامش
( 1 ) يقصد هنا رابعة العدوية رضى اللّه عنها . ( 2 ) مأخوذ من قوله تعالى :( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) .