تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
قد تأخر وتغير لونه ، وقال للفقير تقدم فأنت واللّه أحق منى ، طوبى لمن كان مثلك ، ثم قضى طوافه ومضى وهو منكس الرأس وقد عملت فيه الكلمات ، فرجع إلى سيده فاشترى منه نفسه وتصدق بكل ما يملكه ، ولبس جبة صوف وأقبل إلى البيت في اليوم الثالث فلقيني ، فقال لي يا شيخ : أترى اللّه تعالى يقبلني بعد تلك الذنوب العظام ؟ فقلت له أبشر يا حبيبي فأنت حبيب اللّه ، أما علمت أنه يدعو المدبرين عنه ، فكيف بالمقبلين ! فأخلص النية فإنه يقبلك على ما كان منك ، فقال يا عم طيبت قلبي بعد أن كاد يتصدع فجزاك اللّه من واعظ خيرا ثم مضى ، فلما كان في اليوم السابع أتاني إنسان وقال لي يا شيخ عظم اللّه أجرك في الشاب التائب فإنه قد مات ، فقلت له ألا ترنيه فأتى بي فوجدته مسجّى ووجهه كدائرة القمر ، فسألت عن حاله فقيل لي إنه قد دخل في هذا المكان وغل يده إلى عنقه ولزم المحراب يبكى على نفسه ، فلما كان اليوم وجدناه ميتا . قال ذو النون : فشهدت جنازته فلم يبق بمكة إلا القليل حتى حضروا جنازته ، فرأيته تلك الليلة في المنام وهو يتبختر ويقول : شتان ما بين الخطوتين ، فقلت : حبيبي ما فعل اللّه بك ، فقرأ :
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) .
وقال ذو النون : حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار ، وتضيق عليك نفسك ، قال اللّه تعالى في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية حين تخلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون خمسين صباحا ، ثم جاءت توبتهم :
( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ )
الآية . فالتائب دائم التأسف كثير التلهف ، يعرف من بين أمثاله بذبوله ويستدل على حاله بنحوله . وقال الجنيد : التوبة على ثلاثة أركان : الندم على ما فات ، والعزم على ترك المعاودة ، والسعي في تلافى ما يمكن تلافيه من حقوق اللّه تعالى المفروضة وحقوق الناس ، فإن لم يمكن فالعزم على الوفاء والدعاء للخصوم .
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 105 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد العزيز الدريني