لمن لم يدركه من نفسه ، ولا يدركه إلا من ذاق من طعم المحبة ، وإلا فلا يفهمه .
ومن بلغ إليه ثم ارتقى عنه إلى استعذاب الألم فهو المحقّق . وبعضهم قنع به لعلمه أنّ فيه رضى المحبوب والخروج عن اختيار النفس فقال : [ من الطويل ]
وغاية آمالي رضاك فإنّني * أجلّك عنّي أن تكون مواصلي
وإنما ودّاه إلى هذا القول مطالعة صفة الجلال الموجبة للتعظيم والهيبة ، فإنّ سطوة الجلال تهدّ الجبال ، فإذا شهد المحب هذه الصفة قنع بما رضي له به محبوبه ، إذ الهيبة تمنع من التمنّي . فلذلك امتنع بعضهم من الدعاء اكتفاء بالعلم بالحال . وأما الرضى بالمعاصي والمخالفات فلا يصحّ إذ ذاك مناف لما يرضاه المحبوب ، ومن كوشف بعظمة محبوبه منعه ذلك من مخالفته أو مرور ذلك بخاطره ، وربّما أفضى ببعضهم ذلك حتى خجل من تمنّي الوصال فقال : [ من الكامل ]
وممنّع ما حظّنا من وصله * إلا المنا ومواهب الأحلام
تهفو له أرواحنا فيصدّها * عزّ الجلال وهيبة الإعظام
وهذا المقام يلازم المحب ولا يبرح عنه ، لكنه يقوى ويضعف بحسب ضعف موادّ الطباع وقوتها . وقال بعضهم : « منذ أربعين سنة ما أقامني الحقّ تعالى في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته » .
يشير إلى دوام الرضى . ولا شك أن الرضى مقام خلافا لمن زعم أنه حال إذ الحال لا يدوم .
فصل في الخوف والرجاء :
أما الخوف والرجاء فهما مقامان من مقامات عوامّ المحبين السالكين . ومعنى الخوف استشعار فوات محبوب أو هجوم مكروه ، والرجاء طمع النفس في نيل مطلوبها من محبوبها ، إلا أن الرجاء من صفات من شاهد روح الجمال ، والخوف من صفات من عاين عزّ الجلال ، فإذا داما وصار كل واحد منهما ملكة سمّي ذلك مقاما . ولا شك أن هذين المقامين يلزمان المحبّ في أول سلوكه ، فإنّ من أحبّ شيئا رجا ثبوته ودوامه وخاف فقده أو الانقطاع عنه ، لكن إذا غلب على المحبّ إحدى هاتين الصفتين ودام سمّي المحبّ بذلك الوصف وانفراده بأحدهما مع عدم الأخرى نقص ، إذ مجرّد الخوف يوجب