وقد جرت العادة الإلهية ، والحكمة الربانية ، بارتباط الأنوار بالهياكل ، والأرواح بالأجسام ، والمعاني بالقوالب ارتباط لطيف بكثيف ، وعال بسافل ، ليدلّ الأدنى على الأقصى ، والظاهر على الباطن . فلذلك يستدلّ المحبّ بالدار على الساكن .
وإذا نظرت تحقيقا بنوع آخر من النظر وجدت الربوع التي هي محلّ الحبيب أكناف القلب ومحل أنواره ، لا رمل اللوى ومعاقد كثبانه ، ومساقط أحجاره ، وتجد المحبّ على الحقيقة هو الذي يتجلّى له محبوبه من آفاق ضمائره ، وأكناف خواطره ، فيقول : [ من الطويل ]
إذا اشتقت مغناكم نظرت إلى قلبي * فأنتم به عند التباعد والقرب
أحنّ إلى رمل اللوى من دياركم * ولولاكم ما اشتقت يوما إلى الترب
ثم تنظر نظرا آخر فتجد عنده هذه الأشياء كلها ظاهرها وباطنها فتعتقد أن الرسوم الخارجة مذكرة بالمنازل القلبية والمواطن الروحانية ، وترى أن في رؤية هذه الظواهر تأثير معنى في السرائر . ولهذا جاء الشرع باحترام ظواهر تشير إلى معان شريفة ، وأرواح لطيفة . منها احترام المصحف لدلالته على معاني كلام اللّه تعالى ف
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( 79 ) [ الواقعة : الآية 79 ] ، ومنها الحجر الأسود لكونه يمين اللّه في الأرض ، والكعبة لكونها بيته ، وإن كانت ظواهر هذه الأجسام ، لكن تأثير القلب بمعانيها لا يخفى : [ من الطويل ]
ولمّا تبدّى لي من السجف حاجب * ومقلة ليلى من وراء نقابها
بعثت برسل الدمع بيني وبينها * لتأذن في قربي وتقبيل بابها
فما أذنت إلا بإيماض طرفها * ولا سمحت إلا بلثم ترابها
وإذا استولت المحبة على قلب المحبّ ، وسكر من صفو مدامها ، وتردد في أودية غرامها ، وأحرقته لواعج الشوق المقلق ، والوجد المحرق ، استراح لكل شيء له أدنى تعلّق بالمحبوب وتشبّت بكلّ سبب يتوهّم أنّه يوصل إلى المطلوب ، فيتعلّل بلمعان البروق ، ويداوي بهبّات النسيم قلبه المشوق ، ويستسقي الغمام لعرصات الديار ، ويلثم من شغفه الرسوم والآثار ، ولا سيما إذا سلب القرار ، وأعوزه