فلئلا يكون فيها نصيب لغير محبوبه وإن دقّ ، بل يرى نفسه أهلا لحبّ حبيبه حتى لا يحبّه بشيء هو غيره بل يحبه به لا بسواه ، ولهذا يفنى عن نفسه عند مشاهدته .
وأما غيرته على حبيبه فلئلا يتّصف بمحبته من ليس من أهلها من أهل الدعاوى والمخارق ، ومن لم تكن له قدم راسخة في الحقائق .
ولهذا لما سمع بعضهم أذان المؤذّن قال له : حربة وسمّ الموت ! لأنّه غار من غفلته عن حقيقة ما ذكر من صفات محبوبه ، إذ لو تصوّر حقيقة المذكور على ما يجب لآثر ذلك التصوّر في كل من سمع نطقه .
وربّما توالى هذا المقام على المحب حتى يغار من نفسه على محبوبه ، كما حكي أن بعضهم قيل له : أتريد أن تراه ؟ قال : لا ! قيل : ولم ؟ قال : أنزّه ذلك الجمال عن نظر مثلي .
وقال الشبلي رحمه اللّه : « حقيقة المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبّه مثلك » : [ من الكامل ]
إنّي لأحسد ناظريّ عليكا * حتى أغضّ إذا نظرت إليكا
وأراك تخطر في شمائلك التي * هي فتنتي فأغار منك عليكا « 1 »
وهذا معنى دقيق لا يفهمه إلا من ذاق من خالص المحبة الحقيقة .
وأما غيرة المحبوب على نفسه فتنتشىء من علمه بكمال ذاته ، وبدائع جمال صفاته ، وما ينفرد به من نعوت الجلال والكمال ، دون افتقار إلى غيره ، واحتياج إلى سواه ، وهذا لا يليق إلا بالحق تعالى : [ من البسيط ]
تاهت علينا لأن تمّت محاسنها * خود تكلّم في أعطافها الفتن
همّت بإتياننا حتى إذا نظرت * إلى المرآة نهاها وجهها الحسن
ما كان هذا جزائي من محاسنها * أغرت بي الشوق حتى شفّني الشجن
ومن أعجب أحوال المحبة أن يغار المحبوب على قلبه لمحبّه أن يلتفت لسواه وفاء لودّه وحفظا لعهده ، فلا يخصّ بأسراره سواه ولا ينيل غيره ما ينيله من
هامش
( 1 ) هذان البيتان هما لأبي بكر الشبلي دلف بن جحدر من كبار مشايخ الصوفية ( 247 - 334 ه ) .