الاصطبار : [ من الطويل ]
بوادي الغضى لاقيت ليلى مقيمة * فمن لي بها يوم الطّواف أراها
أحجّ إليها لا إلى البيت قاصدا * أقبّل ترب الأرض حين تطأها
فإذا صحا المحب من هذه السكرة ، وأفاق من هذه الحيرة ، رأى أن النظر إلى ظواهر الأطلال عائق له عن مشاهدة ذات الجمال ، وأن الالتفات إلى المحسوسات نقص في مشاهدة الذات فحينئذ يقول : [ من البسيط ]
لا كان وادي الغضى لا ينزلون به * ولا الحمى سحّ في أرجائه مطر
ولا النّسيم وإن رقّت شمائله * إن لم يعد نشركم لا ضمّه شجر
فالمحبّ على هذا بين صحو وسكر حتى يصل إلى التمكين في مقامه .
فصل في الرضى
: أما الرضى فإنّه من مقامات السالكين ومعناه غيبة المحبّ عن الإحساس بالألم مع كمون صورته عنده في الطبع ، والصبر تحمّل المشقّة في جنب المطلوب مع الشعور بالألم . وكلاهما حجاب عن حقيقة المحبة إذ حقيقة المحبة أن يفرح المحبّ بجميع ما يصدر من محبوبه حتى الهجر ، لا من جهة أنّه بعد عن المحبوب بل من جهة أنه مراده خاصة ، كما قيل : [ من الكامل ]
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمني اللّوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم * إذ صار حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي طائعا * ما من يهون عليك ممن يكرم « 1 »
وهذا يسمّى حبّ الحبّ أي حبّ ما يحبّه المحبوب ، لأنّه إذا أحبّ مجرّد الوصل فقد آثر حظ نفسه على مراد محبوبه ، وإن أحبّ الهجر فقد أحبّ البعد عن الحبيب وهو مناقض للمحبة ، لكن يحبّ تساوي الأمرين عند رضى الحبيب بهما
هامش
( 1 ) هذه الأبيات هي لأبي الشيص الخزاعي ، محمد بن علي بن عبد اللّه بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي من شعراء العصر العباسي ، ولد في الكوفة سنة 130 ه ، وتوفي في الرقّة سنة 196 ه .