ومن ذاق لذة مناجاة ربّه وعلم اطّلاعه على سرّ قلبه وشهوده لباطن أمره وخفيّ لبّه وتمثّل له في كل شيء يشاهده ، وسمع كلامه من كل ناطق وصامت ، كيف يصغي بقلبه إلى سواه ؟ أم كيف يقنع بحظّ دونه وحاشاه ؟ لكن من ابتلي بمراعاة الخلق وتنزّل لهم بأمر الحق يصغي إلى أقوالهم وينظر إلى أحوالهم ، وقلبه مع مصرّفهم في أنواع التصريف ، مشاهد له في كل تفريق وتأليف : [ من الكامل ]
وشغلت عن فهم الحديث سوى * ما كان منك فأنتم شغلي
وأديم نحو محدّثي نظري * أن قد سمعت وعندكم عقلي
فصل في الهيبة
ومعناها وجود تعظيم في القلب يمنع من النظر إلى غير المحبوب . وهذا المقام ذاتيّ للمحبّ لا يفارقه ، إلا أنّه يشتدّ عند تجلّي صفات الجلال . أما الخوف فإنّه يذهب عند وجود الرجاء والهيبة لا تنقطع إلا مع عدم المشاهدة والرجوع إلى الحسّ ، ولو غاب المحبوب طرفة عين عن المحب وخلي عن شهوده لذهبت نفسه ، وهل يبقى جسد بغير روح ؟ [ من الكامل ]
أشتاقه فإذا بدا * أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبة * وصيانة لجماله
ومن لوازمه سكون القلب عن الاضطراب ودوام الحضور وعدم الالتفات إلى الأغيار ، وحفظ الأسرار ، فإن الحق تعالى يغار على محبه أن يطّلع عليه فيجد في قلبه تعظيما لغيره ، وربّما منع بعضهم التعظيم لحبيبه أن يجري ذكره على لسانه إجلالا وتعظيما له واحتقارا لنفسه فقال : [ من البسيط ]
ما إن ذكرتكم إلا نسيتكم * نسيان إجلال لا نسيان إهمال
إذا تذكّرت من أنتم وكيف أنا * أجللت ذكركم يجري على بالي
وقال غيره في معنى التعظيم للمحبوب ، وستر السرّ الذي تنطوي عليه القلوب : [ من البسيط ]
أجللت حبّهم عن أن يدنّسه * مثلي وحبّهم عار من الدنس
فصرت أهوى سواهم والمراد هم * بجبهة العير يفدى حافر الفرس
فصل في الغيرة
: وأما الغيرة فهي من لوازم المحبة ، ويوصف بها المحب والمحبوب ، كل واحد منهما على نفسه وعلى حبيبه . أما غيرة المحبّ على نفسه