السؤال الخامس - ما معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الفقر فخري وبه أفتخر يوم القيامة » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الفقر سواد الوجه في الدّارين » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كاد الفقر أن يكون كفرا » وقول أبي يزيد : « إذا تمّ الفقر فهو اللّه » ؟
الجواب : اعلم أن الفقر قسمان : قسم هو الفقر إلى اللّه تعالى ، وهو كمال توجه الذات إليه في جميع الأحوال والأقوال ، وخلو النفس عما تسكن وتطمئن إليه نفوس الخلائق ، وهذه الحالة تستلزم الاستغناء باللّه عمّا سواه ظاهرا وباطنا ، ولا يؤثر فيه شيء ، ولا يزحزحه ، لأنه متوجه إلى اللّه بالذات سرّا ، وآب إليه بالصفات جهرا ، وهما سببان لنيل الأنوار والمعارف التفصيلية ، فيكون اتصاله بالغير عارضا ، وبالخالق حقيقة ، وهذا معنى قوله عليه السلام :
« الفقر فخري وبه أفتخر يوم القيامة »
« 1 » .
وقسم هو الفقر من اللّه ، بأن يكون ساكنا في منزل نفسه وطبعه وهواه ، مائلا إلى الأمور النفسانية الجسدية الظلمانية ، فيؤثر به من ذلك الصفة الحيوانية ، كالأكل المفرط والشرب ، ومتابعة الشهوات ، وحينئذ لا يشتغل بأمور الدنيا ليفيده باسم الفقر ، ولا بأمور الآخرة لغلبة نفسه وهواه ومتابعة شهواته ، فيكون خاسرا في الدارين ، وهذا معنى قوله عليه السلام :
« الفقر سواد الوجه في الدارين »
« 1 » .
وهذا القسم من الفقر له جهتان : جهة تلي الحق ، وجهة تلي الخلق ، فإذا لم تكن للجهة التي تلي الحق قابلية الزيادة تقتبس الجهة التي تلي الخلق من الجهة
هامش
( 1 ) هذا الأثر سبق الحديث عنه .