على حدّها ، لأنّ من حدّها فقد عدّها ، وكما لا سبيل إلى عدّها ، فكذلك لا سبيل إلى حدّها ، فالوقوف على حدّها متعذّر ميؤوس منه ، والتفرّغ إلى معرفة المنّة بها ، والمنّة هي الموهبة ، أي يعرف العبد أنّ نعم اللّه عليه بغير استحقاق ، ولكنّ اللّه يمنّ على من يشاء من عباده ، وكذلك العلم بالتّقصير في حقّها ، أي في حقّ شكرها ، لأنّ من عجز عن إحصاء عدّها عجز عن شكرها ضرورة .
وهذه الأحكام تقوى بها اليقظة وتدوم ، ألا ترى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كيف قام حتّى تورّمت قدماه ، فقيل له : « أليس قد غفر اللّه لك
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » « 8 » ، أي إنّ هذا القيام شكرا للَّه تعالى على بعض تلك النّعم التي أنعم بها .
وأصل هذا الفصل الرّغبة ، والذي بعده الرّهبة .
[ الثاني : مطالعة الجناية ]
الثاني : مطالعة الجناية ، والوقوف على الخطر فيها ، والتّشمير لتداركها ، والتخلّص من رقّها ، وطلب النجاة بتمحيصها .
( 1 ) الفصل الذي ( قبل هذا هو من ) « 9 » أحكام الاسم المنعم ، فقدّمه لكونه محبوبا مطلوبا . وهذا الفصل من أحكام الاسم المنتقم ، فأخّره لكونه محذورا مرهوبا .
فأمّا أحكام الاسم في الآخرة فهي من مراتب الاسم الهادي جلّ جلاله .
هامش
( 8 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، سورة الفتح ، وفيه :
عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقوم من الليل حتّى تنفطر قدماه ، فقالت عائشة : لم تصنع هذا يا رسول اللّه ، وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟
فقال : أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا .
- وفي كتاب الكسوف ، باب قيام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى ترم قدماه .
( 9 ) في ( ب ) به بدأ من .