لكنّه سارع إلى القدح فيهم والطعن منهم مرّة بعد أخرى ، كأنّه قد شرب من ماء جيرانه المعروف بالوخم ، الطاعنين في الصوفيّة أولي الأحوال السنيّة ومحاسن الأوصاف والشيم ، والجدّ والاجتهاد وعوالي العزائم والهمم ، ورفض ما سوى اللّه ، والإقبال على اللّه ذي الفضل والجدّ والكرم .
وقد نصّ الشيوخ العارفون باللّه من الصوفيّة أولي المقامات العليّة ، أنّ الفرق الخارجة عن سنن الهدى ليسوا من الصوفيّة وإن ادّعوا ذلك ولبسوا في الرسوم والزخارف .
وقال الصفدي : الوافي بالوفيات : وحكى لي الشيخ ابن طيّ الحافي قال : كان عفيف الدين يباشر استيفاء الخزانة بدمشق ، فحضر الأسعد ابن السديد إلى دمشق صحبة السلطان الملك المنصور ، فقال له يوما :
يا عفيف الدين أريد منك أن تعمل لي أوراقا بمصروف الخزانة وحاصلها ، قال نعم ، وطلبها منه مرّة أخرى ومرّة ، وهو يقول : نعم ، فقال له في الآخر : أراك كلّما أطلب منك الأوراق تقول لي نعم ، وأغلظ له في القول ، فغضب الشيخ عفيف الذين وقال له : ويلك لمن تقول هذا الكلام ؟ هذا من عجز المسلمين . . . ثمّ شقّ ثيابه وقام يهمّ بالدخول على السلطان ، فقام النّاس إليه وقالوا : هذا ما هو كاتب ، وهذا الشيخ عفيف الدين التلمسانيّ ، وهو معروف بالجلالة والإكرام بين الناس ، ومتى دخل إلى السلطان آذاك ، فسألهم ودّه وراضاه .
وقال الشيخ أثير الدين : هو أديب ماهر جيّد النظم ، تارة يكون شيخ صوفيّة ، وتارة كاتبا ، قدم علينا القاهرة ، ونزل بخانقاه سعيد السعداء عند صاحبه شيخها الشيخ شمس الدين الأيكي ، وكان منتحلا في أقواله وأفعاله طريقة ابن عربي .
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 30
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص٣٠