وأمّا الجفاء ، فهو أن تعامل الخلق باطّراح الأدب معهم ، وتضييع حقّهم ، وتسميتهم بأبغض أسمائهم إليهم ، مثل الألقاب ، قال اللّه تعالى :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
« 4 » ، فالطّريق السّالكة هي الحدّ بين الغلوّ والجفاء ، فمن حفظ هذا الحدّ فقد قام بالأدب .
قوله : بمعرفة ضرر العدوان ، يعني أنّ حفظ هذا الحدّ لا يمكن إلّا بمعرفة ضرر العدوان ، يعني / بالعدوان هنا سوء الأدب ، لأنّ العدوان هو التعدّي ، والتعدّي له مراتب كثيرة ، فمن جملتها التعدّي في مراتب السّلوك عن حدود المقامات ، وسنذكر ذلك .
[ الدّرجة الأولى منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ]
الدّرجة الأولى :
منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ، وضبط السّرور أن يضاهي الجرأة .
( 1 ) منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، يعني أن لا يحكم على قلبه الخوف من العقوبة ، بحيث ييأس من الرّحمة ، فإنّ هذا ممّا يزري بالأدب ، وصاحب هذا ناقص ، لأنّه نسي أنّ رحمة الحقّ تعالى تغلب غضبه .
شعر :
لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجا * فإنّ حظركه بالدّين إزراء
والمراد بالدّين في هذا البيت الأدب ، مع أنّ قائل هذا البيت مسرف على نفسه ، واللّه يغفر لنا وله .
قوله : وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ، يعني مراعاة الطّرف الآخر ، وهو الرّجاء ، فلا يبلغ في الرّجاء أن يأمن من العقوبة ، إنّه لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون .
هامش
( 4 ) الآية 11 سورة الحجرات .