قوله : وتعتذر إلى من يجني عليك ، يعني أن تسبق الجاني بالعذر عن نفسه ، فتقول له : عذرك كذا وكذا ، وربّما وجب عليك أن تعتذر على نفسك أيضا بأن تقول له : أنت معذور في أمري ، لأنّك لو لم تر عندي من النّقص ما يوجب أكثر من هذا لما فعلت ما فعلت ، فالذّنب إذا ذنبي ، وأنت معذور .
قوله : سماحا لا كظما ، وتوادّا لا مصابرة ، يعني ، أنّ معاملتك للجاني باللّطف اجعلها سماحا وطيبة نفس ، لا كظما للغيظ ، فإنّ الكظم دليل على أنّ في باطنك خلاف ما أنت عليه في ظاهرك ، والمقصود إنّما هو الباطن ، فإذا انصلح انصلح الظّاهر تبعا له .
وكذلك قوله : توادّا ، أي يفعل ذلك للتودّد لا للمصابرة ، أي تصبر على الأذى ، بل تودّ من جنى عليك وتحبّ بقلبك ، فإذا فعلت ذلك كانت ملاطفتك إيّاه من غير مشقّة تحتاج فيها إلى المصابرة على المكروه .
ومقصود الشيخ أن تجعل احتمال الأذى عندك محبوبا لا مكروها .
[ الدّرجة الثالثة أن لا تتعلّق في المسير بدليل ، ولا تشوب إجابتك بعوض ]
الدّرجة الثالثة :
أن لا تتعلّق في المسير بدليل ، ولا تشوب إجابتك بعوض ، ولا تقف في شهودك على رسم .
( 1 ) قوله : ألّا تتعلّق في المسير بدليل ، أي لا تستدلّ بدليل ، يعني بالدّليل الأدلّة العقليّة ، ويدلّ على أنّه ما أراد إلّا دليل العقل لا دليل المشايخ قوله في آخر هذا الباب : ثمّ في علم الخصوص من طلب نور الحقيقة / على قدم الاستدلال لم تحل له دعوى الفتوّة أبدا ، وأمّا الاستدلال بالمشايخ ، فإنّه واجب عند هذه الطّائفة ، بحيث يكون مع المشايخ بالأدب ، ومع اللّه تعالى بصدق الطّلب ، وكلّما جمعك على اللّه تعالى فافعله ، وكلّما فرّقك عن اللّه تعالى فاتركه .