والمحبوب ، فإذا نزل به المكروه وشكر اللّه تعالى عليه ، فشكره إنّما هو إظهار للرّضا بما نزل به ، وهذا مقام الرّضا ، وقد تقدّم شرحه « 3 » .
وإمّا من رجل يميّز بين الأحوال ، فهو لا يحبّ المكروه ولا يرضى بنزوله به ، فإن نزل به مكروه فشكر اللّه تعالى عليه ، فشكره إنّما هو لكظم الغيظ الذي أصابه ، أي ستر الغيظ ، وستر الشّكوى ، وإن كان باطنه شاكيا ، وكظم الغيظ منه إنّما هو لرعايته للأدب ولسلوكه مسلك العلم ، فإنّ العلم يأمر العبد أن يشكر اللّه تعالى في السّراء والضرّاء ، فهو يسلك بهذا الشّكر طريق العلم ، لا إنّه شاكر اللّه تعالى شكر من رضي بقضائه ، وهو المذكور أوّلا .
قال الشيخ رضي اللّه عنه : وهذا الشّاكر ، يعني الكاظم للغيظ ، هو أوّل من يدعى إلى الجنّة ، لأنّه أحسن حين قابل حكم اللّه تعالى بما يجب له ، مع ما في ذلك من المشقّة / وقلّة من يقدر على ذلك ، لأنّ أكثر من ينزل به البلاء يشتغل بالجزع والألم والشّكوى عن شكر اللّه تعالى ، ولذلك ورد في التّنزيل :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
« 4 » ، فهذا معنى ما ذكره في هذه الدّرجة .
[ الدّرجة الثالثة أن لا يشهد العبد إلّا المنعم ]
الدّرجة الثالثة :
أن لا يشهد العبد إلّا المنعم ، فإذا شهد المنعم عبودة ، استعظم منه النّعمة ، وإذا شهده حبّا استحلى منه الشدّة ، وإذا شهده تفريدا لم يشهد منه نعمة ولا شدّة .
( 1 ) قوله : أن لا يشهد العبد إلّا المنعم ، يعني تشغله مشاهدة المنعم عن النّعمة ، وذلك لاستغراقه في المنعم .
هامش
( 3 ) انظر ورقة 47 ( أ ) .
( 4 ) الآية 13 سورة سبا .