متن :
و الحاصل أنّ الإجماع الّذى ادّعاه السيّد قدّس سرّه قولىّ ، و ما ادّعاه الشيخ قدّس سرّه إجماع عملىّ ، و الجمع بينهما يمكن بحمل عملهم على ما احتفّ بالقرينة عندهم و بحمل قولهم على ما ذكرنا من الاحتمال فى دفع الروايات الواردة فى ما لا يرضونه من المطالب . و الحمل الثانى مخالف لظاهر القول ، و الحمل الأوّل ليس مخالفا لظاهر العمل ، لأنّ العمل مجمل من أجل الجهة الّتى وقع عليها .
إلّا أنّ الإنصاف أنّ القرائن تشهد بفساد الحمل الأوّل ، كما سيأتى « 1 » . فلا بدّ من حمل قول من حكى عنهم السيّد المنع إمّا على ما ذكرنا من إرادة دفع أخبار المخالفين الّتى لا يمكنهم ردّها بفسق الراوى ، و إمّا على ما ذكره الشيخ من كونهم جماعة معلومى النسب لا يقدح مخالفتهم بالإجماع .
و يمكن الجمع بينهما بوجه آخر و هو أنّ مراد السيّد قدّس سرّه من العلم الّذى ادّعاه فى صدق الأخبار هو مجرّد الاطمينان ، فإنّ المحكىّ عنه قدّس سرّه فى تعريف العلم أنّه ما اقتضى سكون النفس « 2 » ، و هو الّذى ادّعى بعض الأخباريين « 3 » أنّ مرادنا بالعلم بصدور الأخبار هو هذا المعنى ، لا اليقين الّذى لا يقبل الاحتمال رأسا .
فمراد الشيخ من تجرّد هذه الأخبار عن القرائن تجرّدها عن القرائن الأربع الّتى ذكرها أوّلا ، و هى موافقة الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو دليل العقل ، و مراد السيّد من القرائن الّتى ادّعى فى عبارته المتقدّمة احتفاف أكثر الأخبار بها هى الامور الخارجيّة الموجبة للوثوق بالراوى أو بالرواية بمعنى سكون النفس بهما و ركونها إليهما ؛ و حينئذ فيحمل إنكار الإماميّة للعمل بخبر الواحد على إنكارهم للعمل به تعبّدا ، أو لمجرّد حصول رجحان به صدقه على ما يقوله المخالفون .
و الإنصاف أنّه لم يتّضح من كلام الشيخ دعوى الإجماع على أزيد من الخبر الموجب لسكون النفس و لو بمجرّد وثاقة الراوى و كونه سديدا فى نقله لم يطعن فى روايته .
و لعلّ هذا الوجه أحسن وجوه الجمع بين كلامى الشيخ و السيد قدّس سرّهما ، خصوصا مع ملاحظة تصريح السيّد قدّس سرّه فى كلامه بأنّ أكثر الأخبار متواترة أو محفوفة ، و تصريح الشيخ قدّس سرّه فى كلامه المتقدم بانكار ذلك . « 4 »
هامش
( 1 ) - فى ص 205 .
( 2 ) - الذريعة إلى اصول الشريعة : ج 1 ص 20 .
( 3 ) - هو المحدّث البحرانىّ فى الدرر النجفيّة : ص 63 س 15 .
( 4 ) - فى صفحة : 196 - 197 .