اطلع حبلا وأنزل واديا وحدى ليلا ونهارا إلى أن وصلت مكة ، دخلت الحرم من باب بنى شيبة ، ورد على العلم الذي حركت لأجلها فقبلته واستلمته وخرجت « 1 » على الفور من باب إبراهيم فعدت للبرية ، ورجعت فيها إلى ديار مصر على الحالة التي مضيت عليها ، وأقام مدة إقامته في رباط الشيخ أبى الحسن نفعنا نحو من إثنى عشر سنة على الاستقامة التامة والقيام بواجبات المعاملات .
فأسمع من لسانه ذكر اللّه ظاهرا فقط لغلبة حضوره ، ودوام استمرار وجده ، وكل من رآه ذكر اللّه ، ظاهرا فقط لغلبة حضوره ، ودوام استمرار وجده ، وكل من رآه ذكر اللّه ، وإذا حضر الفقراء المعتبرون إخوانه حلوه يتذاكرون على قدر أحوالهم ، فيذهب أحد منهم إلى ذكر حاله يفوقه يقول له الشيخ المغاور : ارجع للحضرة إلى أين ، ثم إذا ذكر أحد عيبا لأحد أو نقصا من نقائص الوجود بين يديه يقول : جمل يا رجل جمل ، فلا يرى إلا الجمال .
وكان يوما في زاويته وقد مر عليه شاب مزمزم فوجد الشيخ المغاور حاله فقال له : قف وقل ، وكان الشاب أحد خدام المطبخ ، فقال له : أنا مشغول ، ومضى فانقطع صوته للوقت وانبح وصار إذا أراد الكلام لا يقدر فمضى للشيخ أبو الحسن لبيته وشكى حالته له ، وقال له : الشيخ ارجع وقف عند زاوية المغاور وقل ما كان أمرك بقوله ، قال : يا سيدي ، كيف أقول وأنا على هذه الحال ! ! قال له : رح ، فمضى الشاب ، ووقف على باب زاوية المغاور ، وعزم على القول ، فانطلق ، فخرج المغاور من زاويته وتحرك بوجده ساعة ثم سكن .
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 71 .