ورأيت الشيخ الصالح العارف « عبد المنعم تقى الدين » من أهل القاهرة ، صحب جماعة من الشيوخ المعتبرين ، كثير الفتوة ، كثير السعي في قضاء حوائج الناس ، نافذ المقاصد ، وكان ينتسب في الخيم الأمراء والوزراء والقضاة يعتقدونه ، ويستجلب منهم الراحات للفقراء ، ومما كان فتوته مع الأصحاب أن صديقا له كانت له جارية يحبها ، فحصلت منه غفلة فباعها وانفصلت بالكلية بالبيع الصحيح ، وسافر بها المشترى إلى الصعيد .
فثارت بحبها في قلب الذي باعها بحيث لا ينام ولا يأكل ، وخيف عليه التلف ، اطلع الشيخ « تقى الدين عبد المنعم » على حالته ، سافر بنفسه للصعيد ، ولم يعلم أحد به مع سعة دائرته مع الأولاد والأهل ، وتعلق قلوب الناس به ، وتردادهم إليه مع الحوائج ، وشغل خواطر الأكابر به ، وسافر مسرعا إلى أن وصل إلى قوص ، فارتجت قوص لوروده ، وحضر لخدمته متوليها وقاضيها وأكابرها ، وسألوه عن سبب سفره وحضوره ، فأخبر من له نفوذ أمر بأنني جئت بسبب شراء جارية من فلان ، فللوقت أحضر وطلبت منه فأجاب ، فعاقده عليها العقد الشرعي الذي صارت به في ملكه وأعتقها ، وطلب منه سيدها الثمن فوعده بالصبر « 1 » .
وأخبره بأنها صارت حرة ، فاطلع أكابر البلد على شرائه للجارية ، فللوقت أحضروا له ثمنها وأعطوه للبائع لها عن الشيخ ، وأخذها الشيخ ، وأخذها في أسرع وقت وجاء بها للذي كانت له ، وتلف غفلة عليها ، زوجها له ، ورد عليه عقله ودينه ، وكانت هذه الحركة وأمثالها دأبه ، وتصرفاته ، رضي اللّه عنه .
ورأيت بدمشق وبمصر الشيخ الصالح الولي « أبا القاسم الصقلى » كان من الأكابر ، أدرك الأكابر من الرجال ، كثير الانقطاع ، طريقه التوكل الحسن
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 124 .