وكان يأكل من مغله ، وكان البستان ضعيف الحال ، كان يزرع فيه الفول أكثر أكله منه ، وينسج ما يلبسه منه ، وحديثه طويل عظيم .
فمما جرى له أن شخصا كان جالسا بجانبه فرأى على طرف ثوب الشيخ « القبارى » شيئا إما ترابا أو غيره ، فنفضه عن ثوبه ، فأنكر عليه وألزمه بأن يأخذ منه قطعة فضة سوداء أجرة نفضه لما كان على طرف ثوبه .
وكان الملوك يجيئون إليه فلا يلتفت إليهم ، ولا يظهر عنه لهم إكرام إلا القدر الذي يضطر أن يفعله مع أقل الخلق ، يفعله معهم ، من كلام أو رد سلام ، لا غير .
واشتهر في بلاد الإسلام ، وبلاد الروم بما كان عليه من الزهد والورع والتدقيق الذي ما سمع بمثله ، رضي اللّه عنه .
ورأيت بها الشيخ « 1 » الصالح الولي ، أبا الفقراء « حجاجا » كان من أعيان أصحاب الشيخ « عبد الرزاق » الكبير ، صاحب الشيخ القطب « أبو مدين » وكان طريقه إيصال الراحة للفقراء إلى أن سمى « أبا الفقراء » وسخر له أبناء الدنيا يتقاضا منهم ما يتقاضاه ويصرفه على الفقراء والأرامل والأيتام .
وكان في رباط الشيخ « عبد الرزاق » متكفل بجميع من فيه من إخوته أصحاب الشيخ ، وكانوا رجالا معتبرين ، سماطهم ممدود بالطبيخ والمخزن مملوء بالقمح ، ويخرج يدور على فقراء الثغر يمشى لبيوتهم ، ومنهم من يجئ إليه .
وشهدت القلوب بصدق نيته ، وحسن معاملته للّه تعالى ، فركنوا إليه ، فكانت الأموال ترد عليه ، وهو يخرج ويعم حتى إنه دخل عليه في يوم عاشوراء ألف دينار حصلها وجاء إليه منها ما جاء ، دار البلد على الفقراء وجاء عشية إلى باب الرباط وجيبه لم يبق فيه منها شئ .
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 100 .