تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ولمّا صحّ أنّ أقرب الأشياء نسبة إلى حقيقة الشيء روحه ، وكان عيسى - على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والتسليم « 1 » - روح الله ومن المقرّبين أيضا بإخبار الله وإخبار كلّ رسله عنه ، ومع ذلك قال :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
« 2 » علمنا بهذا وسواه من الدلائل - التي لا تحصى كثرة « 3 » ممّا أومأنا إليه وسكتنا عنه ؛ لوضوح الأمر وكونه بيّنا بنفسه - أنّ الاطّلاع على ما في نفس الحقّ متعذّر . فالحاصل عندنا من المعرفة به المستفادة من إخباره سبحانه لنا عن نفسه هو بتقليد منّا له ، وكذا ما نشهده وندركه بقوّة من قوانا الظاهرة أو الباطنة ، أو بالمجموع ، إنّما نحن مقلّدون في ذلك لقوانا ومشاعرنا . وقصارى الأمر أن يكون الحقّ سمعنا وبصرنا وعقلنا ، فإنّ ذلك أيضا لا يقضي بحصول المقصود ؛ لأنّ كينونته « 4 » معنا وقيامه بنا بدلا من « 5 » أوصافنا إنّما ذلك بحسبنا لا بحسبه كما بيّنّا ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لزم أن يكون كينونة الحقّ سمع عبده وبصره وعقله حاصلا وظاهرا على نحو ما هو الحقّ عليه في نفسه ، فيرى العبد إذا « 6 » كلّ مبصر ويسمع كلّ مسموع سمعه الحقّ وبصره . ولزم أيضا أن يعقل كلّ ما عقله الحقّ ، وعلى نحو ما عقله . ومن جملة ذلك - بل الأجلّ من كلّ ذلك - عقله سبحانه ذاته على ما هي عليه ، ورؤيته لها كذلك ، وسماعه كلامها وكلام سواها أيضا كذلك ، وهذا غير واقع لمن صحّ له ما ذكرنا ، ولمن تحقّق بأعلى المراتب وأشرف الدرجات ، فما الظنّ بمن دونه ؟ فإذا « 7 » لكلّ من الحيرة في الله وفيما شاء نصيب ، وتذكّر قوله : « في خمس من الغيب لا يعلمهنّ إلّا الله » « 8 » وقوله :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
« 9 » وقوله :
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
« 10 » وقوله :
هامش
( 1 ) . ق : والسلام . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) الآية 116 . ( 3 ) . ه : كثير . ( 4 ) . ق : كينونية . ( 5 ) . ق : من . ( 6 ) . ه : إذن . ( 7 ) . ه : فإذن . ( 8 ) . جامع المسانيد ، ج 28 ، ص 77 . ( 9 ) . النمل ( 27 ) الآية 65 . ( 10 ) . الأعراف ( 7 ) الآية 188 .