تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
لها ، فحكم الضلال إذا منسحب على الجميع من « 1 » هذا الوجه ، ومن حيث إنّ ترتّب حكم الناس على أكثر الأشياء هو بحسب ظنونهم وتصوّراتهم ، مع اليقين الحاصل بالإخبار الإلهي وغيره
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً *
« 2 » وسيّما في الله ، فإنّ الإحاطة لمّا كانت متعذّرة ، كانت منتهى حكم كلّ حاكم فيه إنّما هو بمقتضى ما تعيّن له منه بحسبه ، لا بحسب الحقّ من حيث هو لنفسه ، وما لم يتعيّن منه أعظم وأجلّ ممّا تعيّن ؛ لأنّ نسبة المطلق إلى المقيّد نسبة ما لا يتناهى إلى المتناهي ، بل لا نسبة بين ما تعيّن لمداركنا منه سبحانه وبين ما هو عليه في نفسه من السعة والعزّة والعظمة والإطلاق . ثم إنّ المتعيّن أيضا منه لمّا لم يتعيّن إلّا بحسب حال القابل المعيّن وحكم استعداده ومرتبته « 3 » علم أنّ القدر الذي عرف من سرّه لم يعلم على ما هو عليه في نفسه ، وبالنسبة إلى علمه نفسه بنفسه ، بل بالنسبة إلى استعداد العالم به وبحسبه . وحيث ليس ثمّ « 4 » استعداد يفي « 5 » بالغرض ، ويقضي بظهور « 6 » الأمر عند المستعدّ بهذا الاستعداد « 7 » - كما هو الأمر في نفسه - فلا علم إذا ، وإذ لا علم فلا هداية ، وإن قيل بها ، فليس إلّا بالنسبة والإضافة . و قد قال أكمل الخلق - لمّا سئل عن رؤيته ربّه - : « نور أنّى أراه ؟ » . فأشار إلى العجز والقصور ، وقال أيضا في دعائه : « لا أحصي ثناء عليك » « 8 » [ أي ] لا أبلغ كلّ ما فيك وأعترف بالعجز عن الاطّلاع على كلّ أمره ، وقال سبحانه منبّها على ذلك
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
« 9 » ،
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 10 » والقليل هذا شأنه ، فما ظنّك بما ليس بعلم عند العقلاء كلّهم ، ولهذا نهى الناس عن الخوض في ذات اللّه ، وحرّضوا « 11 » على حسن الظنّ به وسيّما في أواخر الأنفاس .
هامش
( 1 ) . ق : على الوجه . ( 2 ) . يونس ( 10 ) الآية 3 . ( 3 ) . ه : مرتبه . ( 4 ) . ق : ثمّة . ( 5 ) . ق : نفى . ( 6 ) . ق : بظهر . ( 7 ) . ق : المستعدّ . ( 8 ) . جامع المسانيد ، ج 37 ، ص 18 . ( 9 ) . آل عمران ( 3 ) الآية 30 . ( 10 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 85 . ( 11 ) . ق : خوضوا .