أحد الأشخاص أضاع خاتما في موضع ما ، برغم أن ذلك الخاتم قد نقل من ذلك المكان ، يظل يدور حول ذلك المكان قائلا في نفسه : " قد أضعته في هذا المكان " . مثل من فقد عزيزا فإنه يظل يدور حول القبر ، ويطوف حول التراب ويقبله دون وعى . يظل يقول في نفسه : " فقدت ذلك الخاتم هنا " ؛ فكيف يترك هناك ؟
صنع الحق مصنوعات ابتغاء أن يظهر قدرته . حتى جمع في يوم أو يومين بين الروح والجسد من أجل الحكمة الإلهية . ولو جلس الإنسان مع الجثة في القبر لحظة . لكان ثمة خشية من أن يصاب بالجنون ، فكيف يمكن أن يبقى هناك ، عندما يتخلص من شرك الصورة وخندق الجسد ؟ صنع الحق تعالى ذلك من أجل تخويف القلوب وأمارة لتجديد التخويف حينا بعد حين ؛ لكي ينبعث الهلع في قلوب الناس من وحشة القبر وظلمة التراب . وهذا شبيه بما يحدث عندما تهاجم قافلة في الطريق في موضع من المواضع ، فيكرم رجال القافلة حجرين أو ثلاثة معا على سبيل العلامة والأمارة ؛ قاصدين أن هاهنا موضعا خطرا .
هذه القبور أيضا علامة محسوسة على محل الخطر .
ذلك الخوف يؤثر في الناس بقوة برغم أنه ليس لزاما أن يتحقق .
فعندما يقال مثلا : " إن فلانا يخاف منك : فإنك ، من دون أن يصدر منه فعل ، تبدى تعاطفا إزاءه من دون شك . وعندما يقال عكس هذا ؛ أي :
" إن فلانا لا يخشاك البتة ، ولبس لك في قلبه أية مهابة " ، بمجرد أن يقال هذا ، يظهر في قلبك غضب إزاءه .
فيه ما فيه — صفحة 328
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٣٢٨