كل رجل مصطلحا للتعبير ، يكون بالنسبة له مدحا ، وبالنسبة لك ذما .
ويكون في نظر شهدا ويظهر لك سما ! فأهل الهند لهم أسلوبهم في المدح . ولأهل السند كذلك أسلوبهم .
ولست أغدو طاهرا بتسبيحهم . بل هو بذلك متطهرون ناطقون بالدرر .
ولسنا ننظر إلى اللسان والقال ، بل اننا نظر إلى الباطن والحال .
فنظرنا انما هو لخشوع القلب حتى ولو جاء اللسان مجردا من الخشوع ! » .
حينذاك يندفع موسى إلى باطن الصحراء باحثا عن الراعي . ويزف اليه بشرى ما تلقاه من وحى ، ويطمئنه إلى أن كل ما نطق به مقبول عند الله .
« لا تنشد قط أية آداب ولا رسوم ، واهتف بكل ما يبتغيه قلبك الملتاع ! ان كفرك دين . ودينك نور للأرواح . انك لآمن ، والعالم بك في أمان » .
ولكن الشاعر لا يقف عند هذا الحد ، بل يجعل لموسى شيئا من الفضل على الراعي . ويعبر الراعي عن امتنانه لموسى بقوله :
« يا موسى ! لقد جاوزت تلك الحال ! انني الآن سابح في دم القلب . لقد تجاوزت سدرة المنتهى ! وخطوت وراء ذلك الجانب مائة ألف من الأعوام ! لقد ضربت بسوطك حصانى فانطلق وصعد إلى قبة السماء ثم تجاوز الأفلاك ! » وتمضى القصة بعد ذلك إلى غايتها التي أراد الشاعر الوصول إليها . فمهما مدح الانسان الخالق وسبحه فأقواله بالنسبة إلى جلال الخالق لا تزيد عن أقوال هذا الراعي . ومهما بدت متفوقة في عبارتها على مثل تلك العبارات التي هفت بها الراعي ، فهي عاجزة أمام صفات الله .
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 14
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص١٤