ومن أحسن الأمثلة على هذا اللون الأخير قصة الأعرابي وزوجه « 1 » .
فالشاعر - في أغلب الظن - هو الذي أضاف إلى القصة شخصية المرأة ، ذلك لأن القصة في مصادرها الأخرى لا تذكر شيئا عن زوجة الأعرابي . وكان هناك صراع بين الأعرابي وزوجه ، وكاد هذا الصراع يؤدى إلى افتراقهما ، ثم نراهما في نهاية الامر يعودان إلى الوفاق .
تبدأ القصة والزوجة تزجر زوجها بسبب ركونه إلى حياة الفقر والمسكنة فتقول :
« اننا نعانى كل هذا الفقر والشقاء ، فجملة العالم سعداء وأما نحن فأشقياء .
وليس خبزنا خبزا فطعامنا الألم والحسد . وليس لنا كوز ، فماؤنا دمع أعيننا . ورداؤنا بالنهار حرارة الشمس ، وأما وسادنا ولحافنا بالليل فمن نور القمر . نظن قرص القمر قرصا من الخبز ، فنرفع أيدينا إلى السماء .
ان مسكنتنا عار للدراويش ، وما نهارنا وليلنا الا تفكر في الرزق . . . » « 2 » .
فيرد عليها زوجها بقوله :
« . . . إلى متى تنشدين الدخل والحصاد ؟ ما الذي بقي من عمرك ؟
ان أكثره قد مضى .
ان العاقل لا ينظر إلى الزيادة والنقصان ، لأن كليهما يمران كما يمر السيل ( المندفع ) . ففي هذا العالم آلاف من الأحياء ، يحيون حياة طيبة لا هبولا فيها ولا صعود . فالفاختة تترنم بشكر الله على الشجرة في حين أن قوت المساء غير مهيأ لها .
والعندليب يحمد الله ( قائلا ) : أي مجيب ( السائلين ) ! ان اعتمادنا في الرزق عليك . . . » « 3 »
هامش
( 1 ) المثنوى ، 1 : 2252 وما يليه .
( 2 ) المصدر السابق ، 2253 - 2257 .
( 3 ) المصدر السابق ، 2288 - 2293 .