وموته ، ويتدارك موسى عليه السلام : إنه يعلم أن كل هذا لحكمة ، وهو لا يعترض ، إنه يسأل فحسب ، والملائكة عندما اعترضوا على خلق آدم ، أبدى لهم الله سبحانه وتعالى السر بعرضه لنور آدم عيانا ، وموسى عليه السلام يريد الجواب أيضا عيانا ، فالله سبحانه وتعالى هو كاشف الأسرار ، الحشر يكشف سر الموت ، والثمرة تبوح بسر الشجرة ، وهلم جرا .
( 1830 - 1845 ) : لكل شيء سر ، هذا أمر معلوم ومفهوم . حسن الإنسان هو سر الدم والنطفة ، وكل رحمة في الآخرة لا بد وأن يسبقها في الدنيا بلاء ومعاناة ، فكل زيادة يسبقها نقصان ، وكل بناء يسبقه هدم وإليك هذه الأمثال :
لوح الكتابة يغسل ويمحى في البداية ثم يكتب عليه ، والقلب يعاني العذاب ويصير دما حتى تكتب عليه أسرار الإله ، والمنزل عند بنائه يحفر أساسه ، والأطفال ينوحون من إبرة الحجام وفيها خيرهم ، والحمالون يتخاطفون الأحمال على ثقلها فكلما كانت أثقل كان نفعها أكبر ، واقرأ الحديث النبوي الشريف [ حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ] ومن عكف على لذائذ الشهوات هنا ، صار إلى النار هناك ، ومن عانى مشقة الطريق وناره هنا ، مضى إلى الجنة هناك ، هذا البلاء الدنيوي إذن مقدمة للنعمة الأخروية ، وهذا هو ما تلاحظه حتى في الدنيا ، السجين سجين بسبب شهوته ، والعظيم عظيم بسبب تحمله المشاق وصبره على التكسب .
( 1846 - 1851 ) : وهناك صنفان من البشر : صنف نافذ البصر ، ينظر بنور الله ، يرى أن الأمر كله يرجع إليه ، وصنف مقيم على الحس يتوخى الأسباب . الأول روحه خارج الطبائع أي لا يعتبر الطبائع وانسجامها أو تنافرها سببا لكل شيء ، ومن ثم فهو المميز بخرق الأسباب ، أي لا يتوقف عند الأسباب
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 417
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤١٧