هامش
لأحد بها فضلا عن الإحاطة ، وهو كلام حسن .
وقال النابلسي في شرح هذا الديوان المسمّى ب « كشف السر الغامض في شرح ديوان ابن الفارض » جواب آخر نصه : نعم إذا حيّطهم بالتشديد جعلهم محيطين به علما سبحانه وتعالى بأن أمتاهم في ظهور وجوده الحق بحيث لا يبقي منهم عندهم بقية ، وتضمحل رسومهم في حقيقته النورية بالكلية ، فعند ذلك يحيطون به علما ، وإنما المحيط به مولاهم ، وأما أنهم يبقون موجودين ، فالوهم عند نفوسهم ، ومع ذلك يحيطون به علما ، فذلك من أعظم المحال ، وليس لأحد أصلا في ذلك مجال ، ولا يتصور عنه جواب ولا سؤال ؛ لأن الموجود عند نفسه قائم بالوهم المجرد ، فلا يعرف نفسه ، وإذا لم يعرف نفسه فلا يعرف ربه ، وإذا لم يعرف ربه فليس بوليّ للّه ، وهذا السؤال سؤال الأولياء لبعضهم بعض ، لا سؤال الغافلين للغافلين . انتهى المراد منه بلفظه .
قلت : في شرحه اللامية نقل كلام ابن الفارض هذا ثم قال : ولا يمنع من قولهم : إذا حيطهم يحيطون قوله تعالى :وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً[ طه : 110 ] ، وقوله سبحانه :وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ[ البقرة : 255 ] ، يعني ما لم يحيطهم فيحيطون ، كما قال تعالى :مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
وأيضا فإن المفهوم من قوله : إذا حيطهم بتشديد التحتية أنه إذا خلق لهم الإحاطة اللائقة بهم المخلوقة له اتصفوا بها فأحاطوا به ، لا كإحاطته تعالى بنفسه ؛ لأن إحاطته بنفسه قديمة ، وإحاطتهم حادثة ، والقديم منزّه عن مشابهة الحوادث .
وإذا علم هذا كله فالأظهر هو تأويل كلام الأستاذ البكري أيضا إما بمثل ما ذكره مولانا عبد الغني في جوابه أو لا عن التحييط بأن يقال : إن الحق تعالى تجلّى عليه بذاته وأفناه عنه وعن فنائه وجميع صفاته ، حتى اضمحلت رسومه ، وذهبت آثاره وعلومه ، وغرق في أنوار ذات الحق ، فصار عند ذلك مظهرا له تعالى ، عالما بمعلوماته ، وإنما العالم بذلك هو سبحانه لا غيره ، وهذا التجلّي كما سبق في كلام الأستاذ أبيض الوجه يمكن أن يكون ما هو واقع الآن ، بل وقع تكرمة له صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم ألقيت عليه أستار العزة الإلهية إقامة لنواميس الربوبية ، وإرجاعا إلى منازل العبودية ، وإما بأن يقال : إنه أراد به أنه عليه السّلام كان يعلم جميع علم اللّه تعالى في خلقه ، أو نقول في مكوناته ، لا أنه أراد جميع علمه مطلقا حتى يشمل علوم الذات العلية بأسرها ؛ ليكون كلامه هذا موافقا لكلام غيره من الأولياء .
إن اللّه تعالى أطلعه على جميع علمه في مكوناته لا مطلقا كما يأتي عنهم ، وليسلم من الاعتراض السابق عليه بلزوم التساوي بينه وبين علم اللّه تعالى ، وإن أجيب عنه كما مرّ ، فإن الحق الذي عليه المعول أنه لا مساواة في شيء وبين الحادث وبين القديم الأول .
وأما قوله في الحديث : فتجلّى لي كل شيء وعرفته . فيمكن تخصيصه أيضا بالمكونات ، وإذا عمم فيه فيحتمل في الذات العلية وأوصافها على ما مرّ ، أو على ما يليق أن يعلمه أفضل مخلوق ، وأكمله من الخالق ، واللّه أعلم .
وأما التكفير في هذه المسألة - أعني مسألة ادعاء الإحاطة في علمه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيبعد ، ولا سيما في