تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
هامش
وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن أكمل العلوم وأتمّها مضاهاة لعلم الحق ؛ لا يحصل إلا لمن خلت ذاته عن كل صفة ونقش ، واستقر في حاق النقطة العظمى الجامعة للمراتب كلها والوجودات والاعتدال الحقيقي المحيط بالاعتدالات المعنوية والروحانية والمثالية والحسية وما يتبعها من الكمالات النسبية والدرجات ، فتحقّق بالإطلاق الكمالي الإلهي والتعين الأول الذي قلنا أنه محتد جميع التعينات حتى صارت ذاته كالمرآة لكل شيء من حق وخلق ينطبع فيه كل معلوم كان ما كان ويتعيّن في مرآتيته بعين تعينه في نفسه ، وفي « علم الحق » لا يتجدّد له تعين آخر مطابق لتعينه الأول أو غير مطابق ، وهذا العلم هو أشرف العلوم ، وأكملها ، وأعلاها ، ولا يمتاز علم الحق عن هذا العلم إلا بالتقدّم ودوام الإحاطة وكمال الانبساط مع الانسحاب لا غير ، فافهم . ويلي هذه المرتبة العلمية : أن يكون « علم العالم بالمعلوم » كان ما كان هو بأن يستجلي ذلك المعلوم في نفسه ؛ ويتعيّن له لديه صورة تامّة المضاهاة لتعينه الأول الثابت لذلك المعلوم في علم الحق أزلا دون انصباغ المعلوم بخاصية واسطة ما . وهكذا هي صورة علم العقل الأول بالحق وبنفسه ، وبما أودع ربه فيه من علمه سبحانه بالعالم المقدّر الوجود إلى يوم القيامة . ويلي هذه المرتبة الثانية العلمية المذكورة : « علم اللوح المحفوظ » المسمى عند قوم بالنفس الكلية ؛ وعلم كل إنسان كانت غاية مرتبة نفسه هناك ؛ وهو علم يمتاز عن العلم الأكمل وينزل عنه بدرجتين : الدرجة الأولى : بسبب التعين الثاني ؛ فإنه وإن كان مطابقا للتعيّن الأول الثابت في علم الحق أزلا ؛ فإنه محاك له ليس عينه ؛ ومحاكي الحقيقة لا يكون نفس الحقيقة وهذا العلم المتعين في الدرجة الثالثة النفسية اللوحية له صورة محاكية للمحاكي الأول ومنصبغة بحكم قيد المحاكي وإمكانه ؛ فهي في المحاكي الأول ذات قيد وانفعال واحد ؛ وهي في هذه المرتبة ذات قيدين وانفعالين ؛ بل بنفس الارتسام في نفس اللوح يحدث انفعال ثالث وقيد آخر غير القيدين ، فإنه لا يبقى لديه على نحو ما وصل الأمر إليه ؛ هذا محال ، فافهم واستبصر . ثم تنحط مراتب العلم ودرجاته بمقدار الخروج الانحرافي عن حاق النقطة الوسطية الإعتدالية المذكورة الثابتة في مقام مسامتة الحضرة الإلهية الذاتية الكمالية ، فينقص العلم لذلك وتتضاعف أيضا مع هذه الدرجات الانحرافية صور المطابقات والمحاكات على مقدار كثرة الوسائط وكثرة صور محاكاتهم وتضاعف الانفعالات الواقعة في خلال ذلك ، فإن كل صورة متعينة في مستفيد متأخر ومرتسمة في نفسه من إفادة المقيد ؛ منفعلة عن نفس المقيد والصورة المتعينة فيها المحاكية لما سبقها . فوضح بما بيّنّا أن كل صورة محاكية تنزل عن درجة الصورة السابقة لها في التعين والمحاكاة لما أسلفنا ؛ ولخلوّ السابقة عن جملة من الأحكام الإمكانية التي تلبّست بها صورة علم المستفيد المتأخر ؛ إذ لا ريب في أن الأحكام الإمكانية حيث ما كثرت قل العلم ونزلت درجته ؛ إذ لا إمكان حيث العلم التام ؛ إنما هو إثبات محض ، أو نفي محض ؛ فالحكم بالإمكان حيث نقصان