في الأعمال والعلوم والمعارف ، بقدر ذلك تكون غيبته عن الجسم ، وبقدر ما يغيب عن الجسم يتصل بالأرواح الطاهرة المفارقة في حضرة اللّه ، فالمتصل بها يكون في حضرة اللّه ، حيث قال تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 55 ] .
فهذه مقدماتك مسلمة إن الكمال الإنساني في القرب من اللّه ، والقرب « 1 » من اللّه لا
هامش
( 1 ) قال الشيخ القاشاني في القرب : هو القيام بالطاعة ، والقرب : هو دنو العبد من اللّه تعالى بكل ما يعطيه من السعادة ، لا قرب الحق العبد ، فإنه من حيث دلالة :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] ، عليه قرب عام سواء كان سعيدا ، أو شقيا ، فكل عبد ، في كل وقت ، تحت حكومة الأسماء الإلهية قرب ، من حيث تجلي اسم إلهي وبعد من حيثية اسم آخر ، فالقريب من المضل بعيد من الهادي ، والعكس ، فكل اسم يعطي قربا ، فالسعادة ترجع إلى هذا القرب المصطلح عليه ، وقد يكون للحق قرب خاص من العبد زائد على قربه العام .
كما قال تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام :قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى، فإن هذه المعية ، معية العناية بالحفظ والكلاءة ، لا المعية العامة ، فقرب العبد من الحق بكل ما يعطي من السعادة يتبع له قربا خاصا من الحضرات بالحقية ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن أتاني يسعى أتيته هرولة » .
والقرب على قسمين : علمي ، وعملي .
فالعلمي : أعلاه العالم بتوحيد الألوهية ، وهو على نوعين نظري ، وشهودي . والعملي : على نحوين :
قرب بأداء الواجبات : وهو القرب الفرضي كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « ما تقرب المقربون بأحب إليّ من أداء ما فرضته عليهم » .
وقرب نفلي : كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تعالى : « لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت له سمعا وبصرا » . ومداد العمل المقرب :
إما من الباطن إلى الظاهر ، فأعمه وأتمه الإيمان .
وإما من الظاهر إلى الباطن ، فأعمه وأتمه الإسلام .
وإما من القلب الجامع بين الظاهر والباطن ، فأعلمه وأتمه الإحسان .
فمقتضى القرب النفلي : تجلى الحق للعبد متلبسا القابلية المحدودة .
ومقتضى القرب الفرضي : تجلي الحق له ، وظهور العبد بحسب الحق ، غير محدود ، ولا متناه .
فالتمييز بين قوسي الحقانية والعبدانية في القرب المفرط إن كان خفيا يعبر ب « قاب قوسين » .
وإن كان أخفى يعبر عنه ب « أو أدنى » .
ومن هنا قال قدس سره : وقد يطلق على حقيقة : « قاب قوسين » ، فالتجلي بحكم هذا القرب ، إن كان في مادة وصورة ، تتبعها القرب في النسبة المكانية ، في مجلس الشهود ، وإن كان في مجلس الشهود ، وإن كان في غير مادة ، كان قرب المنزلة والمكانة ، كقرب الوزير من الملك . . فافهم .