قال أبو قاسم الجنيد : السماع لا يحدث في القلب شيئا وإنما هو مهيج ما فيه ، فتراهم يهيجون من حيث وجدهم وينطقون من حيث قصدهم ويتواجدون من حيث كامنات سرائرهم لا من حيث قول الشاعر ومراد القائل ، ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما يتخيله الذهن وشاهد ذلك ما حكى أن أبا سليمان الصوفي سمع رجلا يطوف وينادى يا سعتر برى فسقط وغشى عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال : سمعته يقول اسع تر برى ألا ترى أن وجده وحركته من حيث ما هو فيه من وقته ووجده لا من حيث قول القائل ولا قصده وكما روى عن بعض الشيوخ أنه سمع قائلا يقول الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار بالمحترق بحب اللّه لا تمنعه الألفاظ الكثيفة فهم المعاني اللطيفة ولم يكن واقفا مع صوت نعمة ولا مشاهدة صورة فمن ظن أن السماع يرجع إلى دفء المعنى وطيب النغمة فهو بعيد من السماع وإنما السماع ، حقيقة ربانية ولطيفة روحانية تسرى من السميع المستمع إلى الأسرار بلطائف التحف والأنوار فتمحق من القلب ما لم يكن وتبقى فيه ما لم يزل ، فهو سماع حق بحق من حق .
وأما الانزعاج الذي يلحق المتواجد فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد وذلك لازدحام أنوار اللطائف في دخول باب القلب ، فيلحقه دهش فيغيب بجوارحه ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة لغلبة وجده قهر وارده وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات ، وأما أهل النهايات فالغالب عليهم فهم في سكونهم متحركون وفي ثبوتهم متقلقون ، كما قيل لأبى القاسم الجنيد ما لنا لا نراك تتحرك عند السماع ، فقال : وترى الرجل يكون ساكنا قبل السماع فإذا سمع اضطرب وتحرك فقال السماع تذكار خطاب الروح من الميثاق الأول
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 153
مساهمون: العز بن عبد السلام
ص١٥٣