تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

فصل [ السماع ]

واعلم أنه تحتم هاهنا ذكر السماع وما هو منه محظور وما هو مباح وما هو مستحب مستحسن ، فإن كثيرا من المتعمقين والمتقشفين كرهوه وأنكروه أصلا وفرعا وحقيقة وشرعا ، وهذا غلط منهم لأن ذلك يفضى إلى تخطئة كثير من أولياء اللّه وتفسيق كثير من العلماء إذ لا خلاف أنهم سمعوا الغناء وتواجدوا وأفضى إلى الصراخ والغشية والصعق ، فكيف ينسب إليهم نقص وهم سالكون أتم الأحوال وإنما يحتاج ذلك إلى تفصيل ونظر في أهل السماع واختلاف طبقاتهم ، فمن صح فهمه وحسن قصده وصقلت الرياضة مرآة قلبه وحلت نسمات العزيمة فضاء سره وصفا من تصاعد أكدار أرض طبعه وبخار بشريته وخيالات مقابلة وسواسة وعرى عن حظوظ الشهوات وتطهر عن دنس الشبهات فلا تقول إن سماعه حرام وفعله ذلك خطأ قال أبو طالب المكي فقد طعنا على سبعين صديقا . وسئل الشبلي عن السماع فقال ظاهره فتنة وباطنه عبرة ، فمن عرف الإشارة حل له السماع والا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية ، ومعلوم أن السماع مهيج ما في القلوب محرك لما فيها فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر اللّه تعالى صافية من كدر الشهوات محترقة بحب اللّه سبحانه وتعالى ليس فيها سوى اللّه فالشوق والهيجان والقلق والوجد والصيحان كامن في قلوبهم ككمون النار في الزناد فلا يظهر إلا بمصادمة ما يشاكلها ، فمراد القوم فيما يسمعونه إنما هو مصادف ما في قلوبهم فتستنيره بصدمة طروقه وقوة سلطانه ، فتعجز القلوب عن الثبوت عند اصطلامه فتنبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات لثورانها في القلوب لا إنه يحدث فيها شيئا .