فصل [ كيف تتعرف إلى الله ]
فمن فتح اللّه أعين يقظته وأشهده خفايا سريرته علم أنه لم يكن في الكونين ولا في العالمين من مفترقاته شئ إلا وهو مندمج في طوايا ذاته مندرج في خفايا صفاته وهذا سر قوله « من عرف نفسه فقد عرف ربه » وقد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه ، وهو أن اللّه تعالى وضع هذه الروح الروحانية في هذه الجثمانية لطيفة لا هوتية مودعة في كثيفة ناسوتية دالة على وحدانيته وربانيته ، ووجه الاستدلال بذلك من عشرة أوجه .
الوجه الأول : أن هذا الهيكل الإنساني لما كان مفتقرا إلى مدبر ومحرك وهذه الروح تدبره وتحركه علمنا أن العالم لا بد له من محرك ومدبر .
الوجه الثاني : لما كان مدبرا الجسد واحدا وهو الروح علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره وتقديره لا جائز أن يكون له شريك في ملكه قال اللّه تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 1 » الآية وقال تعالى
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً
« 2 » وقال سبحانه وتعالى
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
. « 3 » الآية .
الوجه الثالث : لما كان هذا الجسد لا يتحرك إلا بإرادة الروح وتحريكها له علمنا أنه مريد لما هو كائن في ملكه لا يتحرك متحرك بخير أو شر إلا بتقديره وإرادته وقضائه .
هامش
( 1 ) [ سورة الأنبياء : آية 22 ] .
( 2 ) [ سورة الإسراء : آية 43 ] .
( 3 ) [ سورة المؤمنون : آية 91 ] .